ادبــاء وكُتــاب


26 سبتمبر, 2022 12:55:32 ص

كُتب بواسطة : مجيب الرحمن - ارشيف الكاتب


ربّما أخطأَ الحافظُ ابن حجر العسقلانيّ، ومن نقل عنه متابعةً في قوله عن بلاد (الجِبرتِ/ي) أنها "بُليدةٌ بأطرافِ اليمنِ"؛ لكن الخطأَ الأكيد يكون باختيار مسمى(الجبرتي)عنوان فيلمٍ مثيرٍ للجدل مؤخرا من إخراج المتميز(خالدِ لكرع) وإعدادِه.

استثمرَ (خالدُ لكرع) بذكاء (الخرافة) وأبدع وهذا حقه، وحقّ كلّ فنان وذي مخيلةٍ وفطنةٍ، لكنه تابع خطأَ تاريخيا محرجا، أردنا تبيانه ودحضه بإثارته قبل عامين؛ فضمنّاه في المواقع والصحف المحلية والعربية؛ ونشرناه مقالا بعنوان " كهوفُ عدن (البوميس) طقوس وثنية دموية وقرابين بشرية".

شرحنا فيه الخطأ في تغليب اسم (الجبرت/ي) على القبيلة الوثنية ، التي يعتقد أنها كانت تمارس طقوسها الدموية في كهوف البوميس ، وكانت الأمهات تُخيف صغارها به : ( نام والا الجبرتي!....) ... ( لا تخرج بعد المغرب وإلا الجبرتي.... ) ( الجبرتي أبو ذيله)

لكن المقال جاء بغير المأمول منه، فغطت الإثارة على المعلومة وحقيقةِ أن (الجبرت/ي) مسمىً أطلقه أهل عدنَ في فترة تاريخية ما على كل الأقوام القادمين من سواحل شرق افريقيا جميعا؛ لاشتراكهم ببعض الصفات؛ منها الجهة التي قدموا منها، ثم تسربت معهم قبيلة وثنية كانت تمارس طقوسها الدموية في كهوف البوميس بدموية كما يقول الرحالة الفرنسي (هنري مونفرد)، لاحقا استخدمهم الانجليز للقيام بالأعمال التي يستقذرها أهل عدن.

وألمحنا إلى أن هذه التسمية ظاهرة لغوية من باب (التغليب ) وهي ظاهرة لا مقام لنا للخوض فيها؛ يكفي الإشارة أن أهل عدن إلى فترة ما كانوا يسمون كل صاحب بقالةٍ تغليبا ب(الشحاري) نسبة إلى (الشحر) وإن لم يكن صاحبها من الشحر!... واليوم يسمونه (الشرعبي) لغلبة أبناء شرعب في هذه المهنة، وأُطلِقَ في سياق ما على كل أبناء الشمال في عدن مسمى (الجبلي/ جباليا)؛ فلما ميزوا أهل الجبال عن السهول أضافوا ( زَبيدي).

في القرآن ﴿مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ﴾ قصد بهما النهر والبحر، فغلب البحر لكبره على النهر ولأن البحر أعظم فأطلق لفظ (البحرين) ليشمل البحر والنهر، وهكذا اطلق اسم (الجبرت/ي) على كل من جاء من سواحل شرق افريقيا إلى عدن ، ومنهم القبيلة الوثنية الذي أطلق عليها من باب التعميم والتغليب اسم (الجبرت/ي)

ويمكن التعميم أيضا بالقول أن بلاد الجبرت هي المنطقة المقابلة لجهة اليمن من البحر، قال السيوطي في (لب اللباب): "وهي أي: بلاد الجبرت بلاد الزَّيلع بأراضي الحبشة، هكذا ضبطه بعضهم، والمشهور على ألسنة العلماء وغيرهم ". وقال الأنصاري في (تحفة المحبين): "بيت الجبرتي: نسبة إلى الجبرت، بلدة معروفة من جهة بلاد الحبشة، وإليها ينتسب جماعة كثيرون بالمدينة المنورة، ولهم أوقاف بها ونخيل وبيوت".

بعض المصادر تقول بأن (بلاد الجبرت/ي) منطقة نشأت في السواحل الشرقية للحبشة بناها قوم من بني مخزوم، ومن بني عقيل أسست بعد انتهاء عصر الخلافة الراشدة وبداية عصر الأمويين والعباسيين . فكان المسلمون يهاجرون إلى الحبشة لا سيما أثناء صراعات الدول والحكام المسلمين وتناحرهم ، وتزوجوا من الحبشيات كثيرا واختلطوا بأهلها، فغلبت عليهم البشرة السوداء.

الإشكالية الأكبر أن لقب (الجبرتي) هو لقب عدة أعلام وقبائل مشهورة؛ قد يكونُ جماعة منهم منتمين لأصلٍ واحد، وقد يكون بعضهم ليسوا كذلك؛ فليس الشرط التسلسل النسبي، وإنما العبرة بالشهرة بهذا اللقب، وفي عدن تحمل هذا اللقب (الجبرتي) كثير من الأسر وفي تهامة وحضرموت ومكة والمدينة ومصر. أشهرهم المؤرخ (عبدالرحمن الجبرتي): أحد كبار المؤرخين في التاريخ العربي والإسلامي، عاصر الحملة الفرنسية على مصر، ودَوَّن وقائعها في كتابه الشهير «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، وهو أحد أهم المراجع التاريخية لتلك الفترة.

ونكون اذا اصرينا على اسم الفيلم ( الجبرتي) قد قدمنا إساءة ولو غير مقصودة لكل من حمل هذا اللقب من الناس، وباستطاعة كل (جبرت/ي) اللجوء للقضاء لرفع هذا الظلم .

حقيقةً المخرج العدني المتميز (خالد لكرع) لم يستشيرنا، وإلا كنا نصحناه بتغيير العنوان للفيلم مع الإبقاء على مضمونه دون استخدام مسمى (الجبرت/ي).... شاكرين له تفاعله معنا؛ عندما وُجِهت حملة ضدنا من بعض المشغبين، فوقف بكل وفاءٍ للدفاع ، وهو يقرأ مقالتي التي تضمنت حديثا عن (الجبرت/ي) ، قد تكون ألهمته في فكرة الفيلم!

أخيرا ربما كانت لخالد وجهة نظره الفنية التي نحترمها؛ فأحيانا للفن قواعده وقوانينه التي قد لا ندركها، لكننا يجب أن نحترم حقوق الآخرين قبل كل شيء.

مجيب الرحمن الوصابي
استاذ الحضارة والأدب في جامعة عدن والجامعة اللبنانية الدولية