البعد السياسي

يقظة الوسيط: محفزات الحراك الديبلوماسي السعودي في جنوب اليمن

الأحد - 12 يوليو 2020 - الساعة 07:18 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن(البعد الرابع)غرفة الأخبار: حسام ردمان



خلال الثلاثة الأشهر الماضية شهدت الساحة الجنوبية جولتان تصعيديتان أعادتا إلى حدٍ كبير صياغة ديناميكيات الصراع البيني داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

الجولة الأولى انتهت بفرض الإدارة الذاتية في عدن وانفجار المواجهة العسكرية في أبين. وعلى أثرها استدعت السعودية قيادات الانتقالي إلى عاصمتها لاستئناف العملية التفاوضية، لكنّ استمرار الركود السياسي قاد إلى جولة تصعيدية ثانية أحرز فيها المجلس الانتقالي تقدماً ملموساً في سقطرى، ثم لوّح بتوسيع رقعة التصعيد نحو بقية محافظات الشرق الجنوبي.

وفي المقابل بدا الجانب الحكومي وكأنّه قد استنفد خياراته العسكرية المتاحة وشرع باتخاذ إجراءات عقابية ذات طابع مالي وسياسي.

خلال الجولة الأولى التزمت الرياض بموقفها الحيادي تجاه التصعيد المتبادل مكتفية بدورها كميسّر في المباحثات الثنائية، دون أن تمارس ضغوطاً حقيقيةً لتليين مواقف الفرقاء الذين استغلوا هامش المناورة السياسية لاستئناف مسارهم التصعيدي.

وكالعادة اتسمت الدبلوماسية السعودية "بطول البال" الذي يُفهم في أحيان كثيرة على أنه نوع من "الإهمال أو اللامبالاة". لكنّ الرياض - وبخلاف تأنيها المعهود - أبدت حساسيةً وصرامةً لافتةً إزاء تطورات الجولة التصعيدية الثانية، ومارست ضغوطاً قصوى على فريقي النزاع لاجتراح تفاهمات مشتركة تسمح بتطبيق اتفاق الخامس من نوفمبر.

انتقال الرياض من موقع "الحياد البارد" إلى موقع "الحياد الصارم" يمكن تفسيره من خلال تتبع نطاق وتوقيت تحركات المجلس الانتقالي. وبالمنظور الاستراتيجي السعودي فإنّ تمدد المجلس الانتقالي (عبر القوة العارية وتحت غطاء الإدارة الذاتية) صوب المناطق الشرقية يمثل تجاوزاً صريحاً لخطوطها الحمراء، نظراً لما سيترتب عليه من اختلال في معادلة التوازن الاستراتيجي الهش جنوباً، ولما سيعنيه من نسف صريح لاتفاق الرياض.

تجربة الزخم الشعبي المصحوب بسياسة الأمر الواقع في سقطرى، وعجز الحكومة عن كبح اندفاعة المجلس رغم تصعيدها الميداني في أبين؛ دفعا الرياض إلى إلقاء ثقلها الدبلوماسي لوقف التصعيد العسكري والسياسي، وتحاشي وقوع الجولة التصعيدية الثالثة المصحوبة بسياسات حافة الهاوية.

بطيعة الحال فإنّ انتقال الصراع المفتوح إلى حضرموت والمهرة سيضع الرياض أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما مواجهة الانتقالي بشكل مباشر لردع تمدده الجيوسياسي مع ما يترتب على ذلك من كلفة باهظة على مستوى التوازنات الداخلية والتحالفات الاقليمية. أو تنازل الرياض عن خطوطها الحمراء وعن هيبتها وهيمنتها، وتكيفها مع أمر واقع جنوبي "شبه انفصالي"، والتخلي عن حليفها الشرعي في اليمن.

من جانبه أبدى المجلس الانتقالي تفهماً مؤقتا للمحاذير السعودية وعلّق "برنامجه التصعيدي في المكلا"، لكنه واصل الضغط من خلال سلطته في عدن ومشاغباته في المهرة. وهاهو اليوم يلوح باستئناف تحشيده الجماهيري بالمكلا.

بالمقابل استجاب الرئيس هادي للضغوط السياسية ووافق على سلة المقترحات السعودية التي تزامن بين المسارين السياسي والأمني لاتفاق الرياض، شريطة أن يتراجع الانتقالي عن الإدارة الذاتية قبل تشكيل الحكومة كنوع من الانتصار الرمزي؛ وهي نقطة الخلاف الحيوي اليوم في الرياض إلى جانب توزيع الحصص الوزارية.

تشكيل حكومة "شراكة سياسية" وتعيين سلطة محلية وأمنية في عدن لم يعد مجرد ترتيب سياسي لإدارة المشهد الجنوبي وحسب، بل أصبح الممر الإلزامي للإبقاء على دور الرياض المركزي في الأزمة اليمنية ولتعظيم دورها الاقليمي كقوة رائدة في المنطقة.

وبالتوازي مع انفجار التناقضات البينية بين "الحلفاء/الاعداء" ، عانت الديبلوماسية السعودية من ضغوط "دولية - بريطانية" في مجلس الأمن طرحت مشروع قرار جديد يُلغي مرجعيات الأزمة اليمنية ويدعو لحوار ندّي ومتعدد على قاعدة القوة المسلحة بدلاً عن قاعدة استعادة الشرعية، وتجد هذه المقاربة صدى إيجابي في الدوائر الديبلوماسية والبحثية كما يتضح من تقرير مجموعة الأزمات الدولية، لكنّ الرياض نجحت بشق الأنفس في كبح هذه التوجه الدولي: أولاً من خلال نفوذها داخل مجلس الأمن، وثانياً من خلال استئناف صفقات السلاح المجمدة منذ عامين مع بريطانيا.

وترافق هذا الضغط الدولي، مع انهيار القناة الخلفية بين الرياض والحوثيين، وتزايد وتيرة التهديدات الأمنية باتجاه الداخل السعودي، ورغبة المليشيات الانقلابية بتفجير الصراع العسكري في مأرب وشبوة لتأزيم الموقف الاستراتيجي السعودي أكثر.

في المحصلة يمكن القول أنّ الرياض باتت تدرك جيداً ما الذي تريده من إدارتها للصراع اليمني، وهي تمتلك مروحة متنوعة الادوات الفاعلة لبلوغه. لكنها في المقابل لا تمتلك فسحة من الخيار البديلة في حال تعثرها: فإمّا أن تنشط دبلوماسيتها "الحازمة" لتجنب السيناريو الأسوأ في اليمن. أو ان تُخفق في امتحان "التسوية الجنوبية" فتفقد أغلب أوراق اللعبة، وتجد نفسها وحيدة تواجه الأعداء، ولربما الحلفاء.