البعد السياسي

مقال يجب عليك قرأته بتمعن : نظريات المؤامرة ووظائفها.. ولماذا ينمو جمهورها

الإثنين - 29 يونيو 2020 - الساعة 04:37 ص بتوقيت اليمن ،،،

كتب :توفيق أكليمندوس



يُعَد اللجوء إلى نظريات المؤامرة لتفسير الأحداث، لا سيما تلك الحاملة لتهديدات ومخاطر وانتكاسات، خيارًا يتبناه العديد من الإعلاميين والفاعلين والقوى السياسية في العالم، فهذه النظريات “تشيطن” فئة، وتحشد جمهورًا ضدها من خلال تعميم المشاعر السلبية والكراهية وتعظيم التهديدات. وهناك قوى سياسية لا تكتفي باللجوء إلى نظرية المؤامرة لتبرير الفشل وإعفاء الذات من المسئولية ولتعيين عدو، بل تتبنى رواية المؤامرة كمحور لرؤيتها للعالم، أغلبها قوى ماضوية تدافع عن حصادها وعن تجربتها من خلال إرجاع انتكاساتها وأخطائها إلى مؤامرات حاكها أشرار جبارون يعملون في السر، أشرار عادوا معسكر الخير (أي القائلين بوجود مؤامرة) واتفقوا معًا ونشطوا لإفشاله. وكلما كبر حجم الكارثة التي وجب تفسيرها كثر اللجوء إلى تفسير تآمري.


وكان لجوء بعض المسئولين والأبواق الإعلامية لأكبر ثلاث دول في العالم إلى التفسير بالمؤامرة أثناء الحرب الإعلامية التي اندلعت بينها أثناء جائحة الكوفيد أمرًا ملفتًا، لا سيما أنه كان جزءًا من خطاب وُجّه إلى كل من الداخل والخارج.

1- بنية رواية المؤامرة
يختلف محتوى التفسير التآمري وحبكته من رواية إلى أخرى، ولكن هناك خصائص مشتركة في بنية أغلبيتها. منها أن الشر يحكم العالم من خلال طائفةٍ ما لا تعمل في العلن أو على الأقل تظهر غير ما تبطن، أو من خلال مجلس سري وغير مرئي أغلب، بل كل نشاطه، سري غير معلن قائم على الخديعة وعلى إيقاع الخيرين في فخ تم تجهيزه بقدرة وحنكة. هذا المجلس السري قد يضم أفرادًا تشترك في المشارب الخسيسة أو تختلف. وهناك روايات لا ترى إلا شريرًا واحدًا وأخرى ترى أن الأشرار مِلل قد تبدو في العلن متناحرة ولكنها في الواقع والخفاء متعاونة (الواقع الخفي دائمًا أهم من الواقع الظاهر، بل هو الذي يشكله عند أصحاب نظريات المؤامرة).



وأيًّا كان الأمر وتشكيل فريق الأشرار فهم اتفقوا على استهداف الضحية، ويجمعون على محاربة مشروع الخيرين بكافة الوسائل لا سيما السرية والقذرة. الخيرون قد يكونون أقلية أو طليعة “واعية”، تحاول تغليب “صوت الحق” في محيط من المفعول بهم البلهاء، أو أقلية فاعلة تدافع عن مصالح جماعة خيرة طيبة واعية ولكنها (أي الجماعة) تفضل السلبية، أو قد تكون الجماهير الغفيرة القليلة الحيلة.


باختصار، يختلف شكل وطبيعة المفعول به من رواية إلى أخرى، ولكن الفاعل الشرير دائمًا مكون من مجموعة صغيرة الحجم نسبيًّا (أصغر من المستهدفين الخيرين)، عظيمة النفوذ، عديمة الشرعية، خسيسة الأخلاق، ماسكة لكل الخيوط السياسية والمالية والإعلامية، تحكم من وراء ستار، وتنتهج السرية، وتبث الأكاذيب والسموم، وتجند العملاء في كل القوى الفاعلة، وتحرك أغلب الظاهرين على الساحة، وتجيد التخطيط بذكاء جهنمي، لأن أعضاءها أبناء جهنم.



ويُمكن التمييز بين الرواية التآمرية التي تصف حبكة وخطة متخيلة وهمية مجنونة، وبين استعداد إلى نسب كل تطور أو حدث لا يعجب فريقًا إلى نشاط مجلس سري شرير. بمعنى آخر، قد تكون المؤامرة “رواية” ذات حبكة وقد تكون تفسيرًا جاهزًا صالحًا للاستخدام لتفسير ظواهر متعددة (الثورة/ فشلها، ارتفاع الأسعار، نجاح أو فشل مرشح في انتخابات، نجاح أو فشل فيلم أو عرض مسرحي، تفشي مرض أو فيروس.. إلخ، ومن اللطيف أن بعض المسئولين الأتراك نسبوا زلزالًا إلى مؤامرة أمريكية).



ويلاحَظ أن الحدود الفارقة بين نظريات المؤامرة وبعض التطبيقات الرديئة لبعض المقاربات العلمية أو النقدية ليست دائمًا واضحة نظرًا لوجود أوجه شبه، ونقصد تحديدًا تطبيقات النظريات العلمية التي تفسر حركة المجتمع وتعقيداته بمتغير واحد خفي ومستتر، سواء كان ذاتيًّا أو موضوعيًّا.

ويكون هذا المتغير “السبب” المؤسس المُشَكِل، يحكم كل جوانب الحياة، ويتم تفسير كل ما يحدث باللجوء إليه دون غيره. وتميل تلك التفسيرات إلى القول بأن أشرار القمة –الأدق أن نقول المصنفين في هذه الخانة- ينتصرون دائمًا في سياق الأوضاع السائدة في المجتمعات القائمة. ولا يمكن الانتصار عليهم إلا بتغيير شامل لهذه الأوضاع.

نرى أن الفارق بين نظريات المؤامرة وتلك المقاربات يكمن في نقطتين، هما: حجم جماعة الأشرار، وتقدير قدرتها على التخطيط الواعي القاصد لهدف.

في المقاربات العلمية المهيمنون كثر (وإن كانوا أقلية)، وموازين القوى في صالحهم (أي إن انتصارهم ليس نتيجة لرسمهم ولتنفيذهم لخطة جهنمية شاملة قائمة على خداع متعمد للغلابة). والأغلبية لا يفترض فيها السلبية بل العجز عن التخلص من الإطار المقيد لقدراتها.

يبدو لي ضروريًّا إجراء تمييز لا يكون دائمًا سهلًا بين روايات نظريات المؤامرة والروايات التي تعظم من دور الخديعة في السياسات الدولية والداخلية. ففي المجموعة الثانية، الخديعة ليست -في حد ذاتها- دليلًا على انتماء المخادع لمعسكر الشر، بل هو طرف يسعى إلى تحقيق نصر بالحيلة والخداع، وهذا النصر يكون سياسيًّا وليس وجوديًّا، أما نظريات المؤامرة فسلوك المتآمرين دال على معدنهم وانتمائهم إلى إبليس أو إلى مبدأ شرير، ويسعون إلى انتصار وجودي كامل يفرض على الضحية الخيرة حياة من الذل والانكسار الكاملين.


وتتميز أغلب نظريات المؤامرة بصعوبة، بل باستحالة تفنيدها؛ فغياب الأدلة على صحتها لا يكفي، فهو بالعكس يدل على نفوذ المتآمرين ومهاراتهم، والتشكيك في وجود علاقة سببية بين الظواهر التي تعتمد عليها الرواية في البرهان والخلاصة التي تتوصل إليها لا يفي بالغرض، لأسباب منها أن السببية في الظواهر الإنسانية مفهوم محل خلافات كبيرة. ولو اعتمدت نظرية المؤامرة على وثائق تم تزويرها، فلن تُقنع من اقتنع بتلك الرواية بحدوث تزوير.

2- وظائف نظريات المؤامرة وأسباب شعبيتها.. مقاربة أولية
نظريات المؤامرة يمكن أن توظف بطرق مختلفة وللدفاع عن الشيء وعكسه وعن مواقف ونقيضها. ونلاحظ أولًا أن نظريات المؤامرة ليست حكرًا على مجتمع أو ثقافة، فقد أظهرت استطلاعات رأي ارتفاع نسبة المؤمنين بها في دولة مثل فرنسا، لا سيما في الشرائح الدنيا. على سبيل المثال لا الحصر، كان ٤٤٪ من أصحاب السترات الصفراء في فرنسا يؤمنون بوجود مؤامرة دولية ضد بلادهم. وفي الولايات المتحدة صدر كتاب في سنة ١٩٦٤ تناول نظريات المؤامرة في السياسة الأمريكية تحت عنوان “النمط البرانوياوي”.

وكان سبب ظهور هذا الكتاب وجود مرشح لرئاسة الجمهورية يؤمن بمثل هذه النظريات، ولكن الكتاب أبرز استمرارية الميل إلى تبنيها عبر التاريخ الأمريكي.

ويمكن القول ثانيًا إن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مهمًّا في عولمة نظريات المؤامرة. ويمكن ثالثًا الإشارة إلى اللجوء المتزايد إليها في إطار ما يُسمى بحروب الجيل الرابع، إذ يُستَخْدم الإعلام لبث أخبار مفبركة أو مُضَخَّمة ترمي إلى تعميق الاستقطاب الداخلي في الدولة المستهدفة، أو إلى إضعاف حاكم، أو إلى دعم مرشح، أو إلى تصدير قضية خلافية. وفي المقابل، هناك ميل إلى نسبة كل خطاب إعلامي معادٍ أو سلبي إلى خطة شريرة رسمتها جماعة أو دولة مناوئة أو عدوة ويجري تنفيذها على الأرض. ورابعًا لا بد من التمييز بين رواية تآمرية لا يؤمن بها من صاغها ولكنه رأى فيها سلاحًا، وبين رواية تآمرية يؤمن بها واضعها.

التفسير السائد لوظائف نظريات المؤامرة وشعبيتها يرى أنها تعود إلى كونها تقدم تفسيرًا للفشل في تحقيق الأهداف، ويعفي الجماعة السياسية المعنية أو نخبتها من المسئولية ومن استحقاقات مراجعة الخطاب والثقافة والممارسات، فهي لم تخفق ولم تقصر بل وقعت ضحية سلوك غير سوي ارتكبته مجموعة صغيرة تتحكم في العالم أو على الأقل تمتلك نفوذًا قادرًا على حسم أي معركة؛ مجموعة يُشيطنها الخطاب التآمري ويخرجها من “الملة البشرية” ويأمل في توحيد الأمة المُستَهْدَفة ببث كراهية عارمة للشرير. ولذلك، تجد المدافعين عن منظومة قيم وخطاب ما يميلون إلى هذه التفسيرات في مراحل المحن.

إضافة إلى ذلك، فإن نظرية المؤامرة تشرعن العنف وتبرر ارتكاب القائلين بوجودها ورجالهم لأفعال، وتبنيهم لسلوكيات غير مقبولة أو على الأقل غير عادية؛ ذلك أن “جبروت” المتآمر و”خسته” يبرران الكثير في مواجهته، ويصبح من حق ضحايا المؤامرة الكذب والتآمر والتزام السرية المطلقة، وطلب الطاعة الكاملة دون نقاش، وممارسة الإرهاب واللجوء إلى العنف البالغ. من ناحية أخرى، تُوظف النظرية لنفي إمكانية ارتكاب عضو في الجماعة المُستَهدَفة لفعلة شنعاء، لا سيما إن جلبت مصائب. ففي أعقاب ١١ سبتمبر، أنكر الكثيرون أن الحادث من تدبير “بن لادن” وتنظيم القاعدة؛ فالدين يمنع ارتكاب جرائم وقتل الأبرياء، وبالتالي فإن الجريمة من تدبير مجلس شرير ما يبحث عن ذرائع لإيذاء الأمم والدول العربية والإسلامية. ويلاحظ وجود قوى حاولت الجمع بين الموقفين؛ فالمؤامرة تبرر الجريمة الشنعاء والمؤامرة تنفي ارتكابها.



وفي الوقت نفسه، فإن نسبة الفشل إلى المؤامرة يؤكد مركزية مكانة الضحية وأهميتها وانتمائها إلى معسكر الخير، فهي استُهدفت لأنها “طيبة” ومهمة و”ثابتة” وذات معدن نفيس ولا يمكن هزيمتها بالوسائل الشريفة والعادية، ولها دور محوري.. إلخ. باختصار، فإن الضحية طيبة وفي الوقت نفسه يجوز لها التخلي عن كل قواعد الأخلاق والشعور بالكراهية العميقة تجاه الأحوال. فشل الضحية يؤكد انتماءها لمعسكر الخير وانتماء العدو إلى معسكر الشر.



وأحيانًا نجد أن الإيمان بنظرية المؤامرة يغذي الميول العدمية، لأنها تعفي من الالتزام بتحقيق أهداف، وبالتالي من التفكير في تحديد أهداف قابلة للتحقيق.

وفي أحيان أخرى نجد العكس؛ أن الواقعيين المحددين لأهداف قابلة للتحقيق يخشون الصدام مع أصحاب الغلو والتطرف، فيتذرعون بوجود مؤامرات شريرة بُنيت حساباتها على فرضية عدم قدرة الجماعة الخيرة على تقديم تنازلات. باختصار، يقولون إن التنازلات إفساد لمؤامرات. وتشير النقطة الأخيرة إلى جانب مهم يهمله المعلقون؛ نظريات المؤامرة قد تكون حجة قوية في صالح التزام الواقعية والاعتدال والحسابات الدقيقة.

وقد تفيد في المراحل المتطلبة لوحدة الصف والتضحيات ولبيان بعض المخاطر الحقيقية بشرط ألا يؤمن القائمون على الأمر بها، وأن ينتبهوا إلى الآثار الضارة للإيمان بها على المدى الطويل؛ فهي تلعب دورًا في تقوية الجبهة الداخلية وفي الحث على الحرص، ولكنها في المقابل تمنع من استغلال فرص سانحة لأنها تحث على اعتبارها فخًّا، كما أن شيطنة العدو تمنع فهم سلوكه واستراتيجيته وتعقد عملية الصلح معه.

وقد تكون نظرية المؤامرة أحيانًا دعوة إلى الحشد، وقد تكون باعثة لليأس. وفي كل الأحوال، فإن منطقها قائم على عوار واضح، وهو افتراض أن الخفي يؤسس الظاهر ويحركه وهو أهم منه، وافتراض وجود قوة خفية غير مرئية هي الشر كله، قوة وصلت إلى أعلى درجات العقلانية والقدرة على التخطيط وعلى التحكم في مجرى الأمور. إن افتراض عقلانية مطلقة وجبروت وقدرة لا نهائية على التحكم في كل شيء هو أمر يناقض ما نعلمه عن حدود العقل وحدود البشر. وباختصار هذه النظرية هي فكر غيبي.

إذن، يمكن القول إن أغلب المحللين يذهبون إلى أن النظرية تعبر عن إحساس بالفشل وعن قلق وجودي، وهي “وهم” كاشف عن مشكلة نفسية –لاحظ استخدام كلمة برانويا في عنوان كتاب هوفستادتر- أو على الأقل عن عقلية مبالغة في السلطوية وعن عجز عن مواجهة الواقع المعقد واستحقاقاته، ورغبة في إعفاء الذات من المسئولية ومن قواعد الأخلاق والبحث عن كبش فداء. ولا ننكر صحة هذه التحليلات ولا دقتها ونشارك أصحابها في كراهيتهم للخطاب التآمري، ولكننا نرى أن الصورة أكثر تعقيدًا، وهي أكثر تعقيدًا لأنه لا يمكن القول إن المؤامرة قراءة لا يتبناها إلا الفاشلون والقلقون والمرضى والمغفلون، ولأنه لا يمكن القول بأن الميل إلى تصديقها أو إلى تبنيها يدل دائمًا على نوع من الشذوذ المرضي والشرير، وهذا هو المخيف. هناك عدد من الناس الأفاضل الذين آمنوا بها في كل المجتمعات.

وهذا هو سؤالنا التالي: لماذا يؤمن بها ناس لا تحركها الكراهية والرغبة في الإيذاء والشعور بالعدمية؟

3- الطريق إلى نظرية المؤامرة
المؤمنون بنظرية المؤامرة يقولون عامة إن التاريخ دليل على أن هناك مؤامرات تُحاك وتُنفذ على الأرض. والرد على هذا لن يستوقفنا كثيرًا. فمن ناحية، هناك فارق بين رواية “معقولة” تستند إلى وثائق وأدلة وعلاقات سببية مقنعة و”خزعبلات”. ومن ناحية أخرى، لا يُقاس على الاستثناء ولا يجوز اعتباره قاعدة.

وملاحظتنا الأخيرة تصلح كنقطة انطلاق، لماذا يتصور الناس العادية أن الاستثناء النادر هو القاعدة؟ الكراهية/ الإحساس بالفشل/ الحاجة إلى شيطنة الآخر. العدو موجود على أرض الواقع، لكن الواقع يقول لنا أيضًا أن عوامل أخرى تفسر تبني نفوس سوية لهذه القراءات التآمرية.

نقول إجمالًا إن المشكلة تكمن في “الخوف من السياسة”، وفي “الخوف مما هو غير مرئي”، وأحيانًا في الذاكرة الجمعية لشعب أو جماعة سياسية وفي عدم فهم أبناء ثقافة لمنطق وهواجس ومنهج أبناء ثقافة أخرى، وفي صعوبة تقبل المرء لفكرة أن بعض الأحداث الجسيمة لم يخطط لها أحد ولم يتوقعها أحد، فمن الأسهل والأبسط التصور بأن أي حادث وراءه ذات مخطِّطة. وقد أذهب بعيدًا وأقول إن الأصل هو الميل إلى تصديق صور مبسطة للتفسير التآمري، لا سيما إن كانت الأحداث تمسّ أغلى المعتقدات. ولا يتم تحييد هذا الميل إلا بترويض النفس وبالخوف من تأثير المؤامرة على القدرة على التفكير وعلى الفعل وعلى ضبط المشاعر.

الخوف من السياسة له مظاهر وأسباب مختلفة، نذكر منها أن فهم السياسة يختلف من ثقافة لأخرى، ولكن الكل يعلم أن هناك فئة محدودة من الناس تمتلك نفوذًا هائلًا وموارد كثيرة واتصالات لا حصر لها وأدوات إعلامية، وهي قادرة على إسقاط اقتصاد دول قوية، والكثير يفترض أن من استطاع إسقاط عملة قوية قادر على شن ثورة وعلى التلاعب بمشاعر الجماهير، وعلى تشكيل آمالها، وعلى لعب دور مهم وغير مرئي في السياسة العالمية. وبصفة عامة، فإن نفوذ المال يثير دائمًا امتعاضًا لأن لا شرعية له لا سياسية ولا دينية ولا أخلاقية، أي إن هذا الامتعاض عابر للثقافات، والمال يتدخل غالبًا في الكواليس وفي السر. والتشريعات التي سُنت لفرض نوع من الشفافية تقنع البعض ولا تقنع البعض الآخر.


ومع تغول العولمة وتعمق أزمة الديمقراطيات الغربية ازداد نفوذ كبار رجال الاقتصاد والمال والرفض الشعبي له، وازدهرت الروايات التآمرية.

ومن منظور هذه الورقة، نطرح سؤالًا: ما هو تصنيفنا للمقولة التي ترى أن كبار رجال المال تسببوا في أزمة ٢٠٠٨، ودفع الكل ثمن خياراتهم، بينما نجوا هم ولم يحاسبهم أحد وواصلوا جمع الثروات؟ قطعًا إن قلنا “تسببوا متعمدين قاصدين” فنحن في مجال المؤامرة، ولكن تصنيف تسببوا في ذلك بأخطائهم.. إلخ، فهل هذا تشخيص علمي أم فكر تآمري يركز على قدرتهم على تفعيل نفوذهم واتصالاتهم للتهرب من المسئولية؟

جانب آخر من “المشكلة مع السياسة” هو شيوع تصور يراها جنة من لا أخلاق له ولا شرف ومملكة الخديعة والتآمر والخبث وما يسمى باللغة الدارجة “الخَمّ”. مثلًا يتصور الكثيرون في مصر أن الرئيس “السادات” “ضحك على الإسرائيليين” وأن هذا هو سر استردادنا للأرض، وبدون التقليل من مهارات الرئيس الراحل وعمق تحليله الاستراتيجي وقدرته على فهم عقلية خصومه فإنه يجب القول إن هذا التصور لا يعطي لمكانة مصر وقدراتها وأهميتها حقها. وفي هذا التصور عن السياسة فإن تطور العلوم الاجتماعية والطبيعية ضاعف من القدرة على التخطيط والإيذاء، أي إن العلم مكّن الشر ونمّى قدراته على التلاعب بالناس وبمشاعرهم، وعلى بث أخبار كاذبة، وعلى فبركة أخبار وصور.. إلخ. ولعب تراجع الأداء المهني للإعلام الدولي دورًا بالغ السلبية في ترسيخ هذه الصورة. والحقيقي طبعًا أن العلم لعب دورًا في زيادة قدراتنا ولكنه عمق فهمنا لوجود حدود لقدرتنا على التخطيط ولأهمية الصدف وعشوائية التغيرات.

جانب ثالث من “المشكلة مع السياسة” هو التراجع المذهل في أداء القوى الكبرى الذي يثير حقًّا الدهشة، ولذلك يميل الرأي العام عندها وفي باقي الدول العالم إلى البحث عن تفسير للسياسات له قدر من العقلانية، ونصل أحيانًا لأوضاع يبدو فيها التفسير التآمري على سخافته وخطئه أقل غرابة من الذي حدث فعلًا. مثالي المفضل هنا أن أي سائق تاكسي قاهري كان يعلم أن تدمير العراق أو إضعافه سيترتب عليه زيادة نفوذ إيران، لا يمكن إقناعه بأن المخططين الأمريكيين لم يحسنوا تقدير هذا الاحتمال (وهناك شهود -مثل مدير المخابرات الفرنسية السابق “باجوليه”- يقولون إنه لم يخطر على بالهم أصلًا).




سيفضل الكثيرون تفسيرًا يرى أن واشنطن عاقبت السعودية على دور مواطنيها في تنفيذ حادث ١١ سبتمبر وخلقت وضًعا تحتاج فيه المملكة إلى شراء كثيف للأسلحة الأمريكية. ومثال آخر هو التأخر الأمريكي الغريب في إدراك مخاطر الصعود الصيني. وسيقول البعض إن هذا التأخر لم يكن ابن أوهام حول دمقرطة النظام الصيني، ولكنه كان متعمدًا.

باختصار، نقول إن الثقافة الاستراتيجية والجيوسياسية تراجعت في الغرب. هي قطعًا موجودة في المؤسسات العسكرية والاستخباراتية ولكنها ضعيفة لدى القادة المنتخبين وفي قطاعات النخبة المدنية، وهذا يدفعها إلى ارتكاب أخطاء مهولة يتصور المتضررون منها وغيرهم أنها ليست أخطاء بل ثمرة نوايا شريرة (وطبعًا لا ننكر أن هناك حالات كثيرة تكون فيها النوايا الشريرة المفتاح والتفسير الحقيقيين). ونشير على عجالة إلى دور اختلاف الثقافات السياسية. على سبيل المثال، الثقافة السياسية لبعض الدول ترى أنه من الطبيعي –”طبيعي” هنا لا تعني “محمودًا”- أن خطاب وموقف كل جهة حكومية تجاه دولة أو أزمة يختلفان بل يتناقضان، في حين ترى شعوب أخرى في هذا التناقض دليلًا على الكذب والتآمر.

جانب رابع من “مشكلة السياسة” هو مكانة السرية فيها، وهي مركزية وضرورية للدفاع عن مصالح الدول ولتنظيم بعض العمليات ولتحقيق قدر معقول من تحييد الأهواء، ولكن السرية تناقض روح ومفهوم الديمقراطية التي تفترض أن الشعب يحكم. ومن ناحية أخرى، فإن هناك في كل الدول أجهزة عملها سري، وتنظيمات سرية مثل الماسونية أو الإخوان، ومجموعات ضغط سرية، وفي كل دول العالم يسود مفهوم “ليس كل ما يعرف يُكْتَب”. ومع اتساع الهوة بين مصالح وثقافات النخب والشعب، ومع ازدياد أهمية الأدوار المجهولة للمجموعات السرية، باتت التفسيرات القائمة على المؤامرات أكثر جانبية. ويمكن أن نُضيف أن هناك تنظيمات مؤمنة بوجود مؤامرات دولية ضدها، وترى أن السرية أو “التقية” وحبك المؤامرات المضادة هو الحل.



جانب خامس أراه مهمًّا هو تراجع أداء الإعلام الدولي والمحلي؛ فمن الواضح أن الغضب من تغطيته للأحداث في تنامٍ كبير، وتتكاثر الاتهامات ضده، بتقديم وجهات نظر معينة وبحجب وجهات نظر أخرى لا تعجب النخب، وتغليب جانب “الوعظ” على حساب جانب الإخبار والإعلام، وبحجب معلومات لأنها قد تُشكك في صحة خطها التحريري، وتفضيل الفرقعة على التحليل، والسعي إلى توجيه الرأي العام ليتبنى ما يتفق ومصالح النخبة، وارتكاب أخطاء مهنية جسيمة.. إلخ. باختصار، أداء الإعلام غذى في كل الدول الانطباع القائل بأن المعلومات المهمة غير متاحة، وأن ما هو سري أهم من الظاهر، وأن ما يُذاع مغرض وخاطئ ويخدم مصالح قوى لا تريد الخير للشعب.


وتلعب أزمة الديمقراطيات الغربية دورًا في خلق الجو السامح بتفشي نظريات المؤامرة في هذه المجتمعات؛ فالهوة بين النخب وقطاعات كبيرة من الطبقات الشعبية في اتساع، لا سيما فيما يتعلق بتقييم العولمة وتبعاتها.

جانب سادس يتعلق بطبيعة السياسة نفسها؛ فالسياسة والتطورات المجتمعية تشهد يوميًّا ممارسات ضرورية سياسيًّا، ولكنها تناقض ثوابت الأخلاق والثقافة بما فيها ثوابت الثقافة الدينية والسياسية. وهناك دائمًا قطاعات ترى في بعض التطورات زلزالًا يهدم أركان عالمهم وقناعاتهم وهزيمة كبرى لها ولقيمها، وتميل بالتالي إلى بحث تفسير مبني على المؤامرة.

نشير مثلًا إلى صلح مصر مع إسرائيل أو انتخاب الرئيس “أوباما”، أو تقنين الإجهاض في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة.

سابعًا، يبدو أن العقل البشري يجد صعوبة في قبول فكرة أن هناك أحداثًا جسيمة أو أزمات كبرى لم يتسبب فيها أحد، لأنها حصيلة آلاف القرارات الصغيرة من فاعلين صغار؛ قرارات تسببت بدون قصد في مصيبة، وإن تسبب فيها طرف أو طرفان فلم يكن ذلك عمديًّا. ويمكن أيضًا ذكر حالات تسبب الفاعل في خلق الأزمة ولكنه يرفض مواجهة هذا الواقع وهذه المسئولية، أي إن هناك ميلًا إلى نسبة ما هو موضوعي إلى أفعال إرادة ذاتية. ففي أيام الثورة الفرنسية فرض الثوار تسعيرة مجنونة، فاختفت كل السلع الغذائية، وطبعًا لم ينسب الثوار هذا إلى قرارهم الغبي، بل إلى مؤامرة فلاحين جندتهم الرجعية.



وأخيرًا وليس آخرًا نشير إلى دور الذاكرة التاريخية، فلنتأمل -على سبيل المثال- تاريخ المشرق العربي في القرن العشرين، فأهم الأحداث التي رسمت مساره هي الثورة العربية واتفاق سايكس بيكو من ناحية، وميلاد دولة إسرائيل وهزيمة ٦٧ من ناحية أخري. وإن تأملنا تاريخ دول أوروبا الشرقية، ترى نفسها ضحية الاتفاقات السرية بين “هتلر” و”ستالين” وتخلي فرنسا والمملكة المتحدة عنها. هنا وهناك الذاكرة التاريخية مؤلمة، تلعب فيها خيانة الكبار دورًا مؤسسًا.


أزعم أن التجربة التاريخية الجريحة تسهل عمل مروجي نظرية المؤامرة، لأنها تسمح لهم بالقول إن الخديعة والخيانة والمؤامرة والاتفاقات غير المعلنة والتحركات السرية تلعب دورًا في نمو القابلية لتصديق النظريات مهما كانت غريبة.

خاتمة

نظريات المؤامرة منتشرة في العالم كله ولا يجوز حكرها على ثقافة دون غيرها، ولا يجوز الاكتفاء بتفسير ينسب انتشارها إلى مواقع الاتصال الاجتماعي، قطعًا دور تلك المواقع مهم، ولكنني أفضل نسبة شيوعها إلى أزمات عالمنا وهزائم الكثيرين، هزائم تسد آفاق المستقبل وتهدم العزيمة.

هذه النظريات بالغة التأثير والضرر، فهي عدوة التحليل السياسي السليم، والتقييم الدقيق للتجارب وللذات، وترسم صورة عالم كله ملائكة وشياطين، تكون السيادة فيه للكراهية والشك والتطرف الفكري. وهذا العالم لا مكان فيه للمعقول ولا للجدل البناء، وأزعم شخصيًّا أن الشيطنة مفسدة لمن يُشيطِن مهما كانت قضيته نبيلة.

بيد أن هذه النظريات تقوم بوظائف، منها الحشد، وهي في شق منها إعلان عن التمسك بصورة وثوابت عالم يختفي أو في طريقه إلى الاختفاء فتحاول هي نزع شرعية ما حدث من مستجدات على أرض الواقع بنسبتها إلى إرادة شيطانية نجحت في التلاعب بسنن الكون، مستخدمة في ذلك العمل السري والخداع. ولكن عملية نزع الشرعية هذه اعتراف بالهزيمة ورفض لها رفضًا لا يساعد إلا نادرًا على النهضة: الكراهية تساعد على الحشد وتعرقل التوصل إلى تشخيص سليم.

المقلق الذي دفعني إلى كتابة هذه المقال هو تنامي عدد المؤمنين بنظريات المؤامرة، ومنهم ناس نفوسهم سوية. قطعًا يعرف التاريخ أمثلة لفئات نجحت في مواجهة الواقع وتغييره إلى الأحسن دون أن تفهمه، ولكن هذا ليس الأصل.