أخبار وتقارير

تقرير مصور :  «درهم»  ..الطفولة بلا قدمين 

الطفل درهم يجلس على كرسي مصنوع بالطريقة التهامية بعد ان بترت قدماه بفعل لغم ارضي - البعد الرابع

الثلاثاء - 17 يوليه 2018 - الساعة 11:57 م بتوقيت اليمن ،،،

كتب : خليل الزكري




يجلس درهم على كرسي مصنوع بالطريقة التهامية، على باحة منزلهم الصغير، يرقب الاطفال بشغف، وعيونه لا تفارق اقدامهم، تتنقل بين قفزاتهم، وهم يلعبون ويمارسون شقاوتهم الطفولية بكل حرية.

 لكنه هو بالمقابل  تكبله قيودا  ابدية ربما، عن الحركة، لكنه بعناد واصرار وشقاوة، يتحفز للمشي على قدميه، ويحاول كسر هذا الحاجز، الذي منعه من حياة طفولته بشكلها الطبيعي والمكتمل.. ومع كل محاولة منه، وفقدانه بصيص الامل، في ان يستعيد قدمية كما كانت، يتراكم في اعماقه، كم هائل من الانكسار والالم.

فقد الطفل درهم ذو العشرة اعوام قدميه، في انفجار عبوة عثر عليها بالقرب من موقع كانت جماعة الحوثي  تتمركز فيه جوار منزلهم الكائن في منطقة المتينة التابعة لمديرية التحيتا جنوبي محافظة الحديدة قبل سبعة اشهر من الان.

كان درهم حينها عائد من البحر برفقه والده بعد رحلة صيد موفقة بما يسد احتياج الاسرة اليومي – الابوين وخمسة من الابناء – مبللا بأحلام طفولية متزاحمة، متخم بخيلات قصص يومه مع البحر ليرويها لأقرانه الصغار ووالدته التي تنتظره عائد بما جاد البحر لهم من الخير.

وضعه والده من على متن الدراجة النارية التي كانا يستقلانها، على جانبي الطريق بالقرب من منزله، ليوصل القليل من السمك الى البيت لطبخه، بينما هو سينتقل مباشرة الى السوق القريبة، لبيع ما تبقى من المحصول، واخذ احتياجات الاسرة اليومية. ولم يكن يعلم الاب، ان زارعي الموت وحاصدي ارواح الاطفال، يتربصون بولده على جانبي الطريق.

عثر الطفل درهم في طريق عودته، وبالقرب من المكان الذي تعسكر فيه جماعة الحوثي، على عبوة لا يألفها، ضانا منه انها لعبة، قد تسليه واخوته الصغار، فحملها معه الى البيت، وفور وصوله بداء يعبث درهم بذلك الشيء الغريب، وحوله يحتلق اخوته ووالدته، وهم ينظرون بغرابة الى ما جلبه الولد معه.

كانت الساعة تشير الى العاشرة والنصف صباحا مرت لحظات من الريبة على الاسرة المتحلقة حول درهم، لينفجر ذلك الشي الغريب مدويا في الارجاء، مخلفا كارثة ومأساة لم تحسب الاسرة حسابها، او انها ستأتيها هدية من المليشيا الاجرامية على هيئة علبة متفجرة.

اصيب الطفل درهم بإصابات بالغة، فقد ساقيه ونسفت جمجمته، فيما اصيبت اختين له بشظايا لا تزالان حتى الان واخوته الاخرين، كما اصيبت والدته هي الاخرى بعدد من الشظايا، ودخلت منذ تلك اللحظة من هول الصدمة، بحالة من فقدان الذاكرة.

دخلت الاسرة في مرحلة من تفاقم المعاناة، بعد ان ضيقت المليشيا الحوثية على اليمنيين كل الافاق، وخصوصا المواطنين في الساحل الغربي، الذين يعتمدون في معيشتهم على البحر ومحصول مزارعهم الموسمي فقط، حيث ضيقت المليشيا على المواطنين فرص الاصطياد في البحر، وزادت تمركزت في الكثير من مزارعهم المنتشرة على امتداد الساحل، وحولتها الى ثكنات عسكرية.

يقول والد الطفل درهم “عانيت الكثير ولازلت في علاج ولدي، وزوجتي واثنتين من بناتي لاتزال الشظايا في اقدامهن التي تعاني من التقرحات حتى الان، لقد بعت كل ما املك لمعالجتهم”.

ويضيف ان احدى المنظمات تكفلت بعلاج طفله درهم بعد ان كان بين الحياة والموت في مستشفى الحديدة ونقلته الى صنعاء على حساب المنظمة واستخرجت الشظايا التي كانت في دماغه وكانت تسببت له بالشلل النصفي، لكنه بعد استخراجها استعاد حيويته بعض الشيء بالرغم من وجود شظية اخرى في الدماغ لم يستطع الاطباء في صنعاء اخراجها.

تحدث الينا طالب، اثناء زيارتنا له في منزله المبني اجزاء كبيرة منه من القش، بمرارة تختلط بالأمل، في ان يستطيع ابنه المشي يوما، ولو بأطراف صناعية. طلبا منا ايصال صوته الى كل من يمكنه مساعدته في تبني حالته.

كثيرون هم الضحايا على امتداد الساحل الغربي، مما خلفته جماعة الحوثي من كميات هائلة من الالغام والعبوات المتفجرة، بمختلف اشكالها وزرعتها بطرق عشوائية في المزارع والطرقات.