ادبــاء وكُتــاب


24 أبريل, 2018 05:36:06 ص

كُتب بواسطة : بروين حبيب - ارشيف الكاتب


المشكلة في الزواج هو أنه يموت كل ليلة بعد ممارسة الحب، وفي اليوم التالي يجب أن نعيد بناءه قبل تناول فطور الصباح» مقولة قالها الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، وهو الكاتب الذي علّمنا كيف يعيش الحب من عمر المراهقة إلى أن يتجاوز مشارف السبعين، وهـــو أيضا مخترع قصص الحب الذي أبهـــــر شريحة مهولة من الجمهور بسحريته التي تجاوزت الواقع، رغم أنها من أعماقه.

كتب غابريال غارسيا ماركيز الحب الذي عرفه وعاشه، هو الذي أُفتتن بصبية في الثالثة عشرة من عمره، وقرر أن تكون زوجته، وتحقق له ذلك، هي نفسها الصبية التي ملأت قلبه إلى أن افترس الزهايمر عبقريته ومخيلته، وتوفي ذات يوم في مثل هذا الشهر منذ أربع سنوات.

صاحب «الحب في زمن الكوليرا» عاش حياة أعظم من أدبه، وإلاّ كيف كتب كل هذه الرّوائع بقلم لا يتوقف عن رسم أبجديات الحب والتواطؤ مع المحبين، لدرجة تهريبهم من الواقع إلى رؤوسنا؟ اتهم ماركيز بكل التهم الممكن توجيهها لشخصية عامة مشهورة، لاحقه الإعلام ومبغضوه في علاقاته مع رجال السياسة، لاحقته أجهزة مخابراتية، أصبح الرجل يملك من العداوات بقدر ما يملك من المحبين، امتلك الحياة بشقيها الناعم والشائك، ولكنه عاش فاتحا قلبه للجميع، عكس سارتر مثلا الذي توفي هو الآخر في هذا الشهر، وبينه وبين ذكرى وفاة ماركيز يومان فقط.

وإن كنت أعتبرهما قطبين مهمين جدا في مدار الأدب العالمي، فإنهما أيضا قطبان مهمان للحب برؤيتين مختلفتين.

اعتقد سارتر أن «الزواج مدفن للحب» فظل عازبا في سجلاته الرّسمية، لكنه تزوج من حيث لا يدري بسيمون دي بوفوار منذ اللحظة التاريخية التي التقيا فيها في مدرجات السوربون في عشرينيات القرن الماضي، كان عمرها واحد وعشرين عاما، وكان عمره أربعا وعشرين عاما، وارتبطا إلى الأبد، فقد عاشا معا خمسين عاما، مثمرة بالحب والأدب والثورة والتمرد وجنون إدمان الحياة الذي لا شفاء منه إلا بالموت.

بمفهوم آخر كانت علاقتهما زواجا فريدا من نوعه، سجّلته كتب التاريخ والأدب وثورة الأفكار، كانت دي بوفوار الداعمة الحقيقية لسارتر، وكان بالنسبة لها الشيء نفسه.

صحيح أنهما لم ينجبا أطفالا ولم يؤسسا لعائلة، لكنهما أسسا لمدرسة أدبية، والتزما بخط نضالي واحد.

وفي ذكرى غياب ماركيز وسارتر نكتشف أن ما نعرفه عن الرجلين قليل، وسنحتاج لمزيد من القراءات حتى نفهم كيف كانا ينظران للحياة، وكيف عاشها كل بطريقته..

نحتاج لذلك لأن مقولة من سارتر بحجم هذه التي نفثها في أدمغتنا قد تفسد كل خياراتنا في الحياة، وقد تؤثر في قراراتنا، وقد نفهمها بما تحتويه من تحذيرات وقد نأخذها بمحمل الجد بما تحتويه من تخديرات، إنها اللغة وما تفرضه من سلطة على الذات القارئة، إذن من الواجب أن نتوغل في مقولته، هذا الرجل الذي عاش خمسين سنة يحب امرأة واحدة هل كان يعي ما يعيش؟ وكيف يستمر في حبها وقد عاشت قصة حب مجنونة مع الكاتب الأمريكي نيسلون آلغرن لمدة خمسة عشر عاما؟ مع فواصل استسلمت فيها لنزواتها المثلية؟ أي نوع من الرّجال هذا الذي يمنح الحرية كاملة لأنثاه، فتذهب حتى تغيب عن نظره، فيغمض عينيه وينتظر عودتها متى تشاء؟ مقارنة مع ماركيز سنختار الرجل الذي يعيد بناء الحب قبل موعد الفطور… أو هذا ما يبدو لنا صائبا، فليست كل علاقة حب قادرة على الصمود في فناء مفتوح على فضاءات لا حدود لها. ماركيز في موضوع ما يقول إن أهم إنجازاته «أولاده» وهذا يعني أنه أخلص لمفهوم العائلة، وكل أدبه الذي مجّد فيه علاقات الحب الطويلة الأمد نابعة من قناعة دفينة تراكمت في نفسه منذ بواكير حياته.


في كتابه «الضيف» الذي نشر عام 1943 يشرح سارتر سيرته، ويصعقنا بعلاقته بأولغا كوزاكيويتش، كعلاقة تفهمتها دي بوفوار، وهو ما لا يمكن أن نفهمه نحن المنبثقون من بيئة شرقية محضة، فالحب عندنا يستمر بالالتزام، ويرمم بالإخلاص، وإن حدث وتصدع بعضُ بنيانه فإن أمره سينتهي لا محالة. إذ لا يمكن إعادة بنائه، ولا ترقيع شقوقه البشعة. لقد كانت حياة سارتر ودي بوفوار شراكة «فكرية ـ ثورية» أما ما كان حميميا بينهما فلم يكن سوى الحطب الذي احتاجته تلك النار لتستمر في الاشتعال، شيء لم يحتجه ماركيز في حياته فقد آمن بأفكار أخرى تخص المشاعر، آمن بأن «الحب قابل للتعلُّم» ولم يكن بحاجة لجنون يخترق علاقته العاطفية بمرسيدس بارشا، كان مكتفيا بها كحبيبة وزوجة وأم لأولاده، وقد هيأت له كل الظروف ليمضي في مشروعه الأدبي حتى آخر رمق، الكولومبي اليساري ابن العالم الثالث عرف طريقه أكثر من ابن باريس التي شوشت على سارتر حواس سمعه وبصره…


وفي ذكرى غيابهما اليوم وأنا أستحضرهما بما لدي من معلومات عنهما أشعر بأنني لا أعرف شيئا عنهما، فقراءة الترجمات العربية لمؤلفاتهما لا تلبّي شغف المعرفة الذي نصاب به حين يصبح الكاتب اللغز الحقيقي لكل آثاره…
ماركيز بعد نوبل لم يكتب شيئا ذا شأن يقول النقاد في العالم المفترس للآداب، ولكنّه أسس إمبراطوريته، اكتمل عالمه الخاص، أصبح رمزا، نال كل ما يريده من الأدب من شهرة ومال وحب واستقرار في آخر حياته، في المقابل ماذا نال سارتر الذي رفض نوبل لأسباب مجنونة، ستحسب ضده حتى بعد موته، تراه حظي بالسعادة التي آمن بعيدا عن المسارح المسيجة بالجماهير وضجة التّصفيق؟ لقد كانت مواقف الرجل الإنسانية أكثر أهمية من ثغرات حياته الخاصة وجنون علاقته بدي بوفوار، ومع هذا، أودع لفترة غير وجيزة في خزانة محكمة، حتى لا « ُفسد» أخلاق الطلبة المتأثرين به في أغلب الجامعات العربية، وبعض جامعات العالم، لم يشفع له حتى موقفه الإيجابي من ثورة الجزائر، ودعوة فرنسا للتوقف عن تعذيب الشعب الجزائري وسلب خيراته والتعدي على أراضيه، لأن يبقى رمزا لتلك المساندة التاريخية من عقر فرنسا للجزائر، والفصل بين مواقفه السياسية وأفكاره التحررية التي تبدأ من قمّة الهرم الإنساني إلى عتبة قلبه.


ظلّ ماركيز بفصول حياته التقليدية أكثر تأثيرا في قراء جدد، وحتى توجهاته اليسارية لم تبق عائقا أمام انتشاره، عكس سارتر، ولعل شعبية سارتر ظلت محصورة في نخبة النخبة إن صح التعبير، وطوقت حتى لا تطال فئات أوسع لضبط التفلت الشبابي الذي قد لن تقدر عليه أنظمة العالم الثالث، فيما رسائل ماركيز المشفرة، كانت أكثر تهذيبا في قوالبها الأدبية، وأكثر اتزانا وهي تقدم لطلبة الجامعات عبر وجهه الكلاسيكي المألوف…


لقد حلّت الذكرى ومرّت، ولا أسئلة جديدة في الأفق بشأن كاتبين كانا كالأعاصير فــــي زمنهمــا، مع أن الفكرة في حدّ ذاتها حين تثير إعصارا في زمنها، فهي تستحق التمحيص حتى بعد مئة عام من العزلة.