ادبــاء وكُتــاب


24 أغسطس, 2021 09:10:47 ص

كُتب بواسطة : حسام درمان - ارشيف الكاتب




انطلقت فعاليات الحراك الجنوبي السلمي في العام 2007 بالاستناد الى ميثاق شرف أخلاقي صاغته الإرادة الشعبية تحت عنوان "التصالح والتسامح" ؛ لكن هذا النزوع الشعبي الى التوحد لم يقابل بحراك سياسي مماثل على مستوى النخبة القيادية الممثلة حينها لمطالب القضية الجنوبية.

في العام 2011 بدأت ضغوط الشارع الجنوبي على النخبة تؤتي اكلها ، و تُرجمت دعوات الحوار عمليا عبر سلسلة من الفعاليات السياسية التي ارادت توحيد فصائل وقيادات الحركة الجنوبية . ورغم ان اهداف الحوار الجنوبي لم تتحقق بشكل كامل حتى الان ، الا ان الدعوة اليه ظلت بمثابة تقليد سياسي راسخ استمر على مدار عقد كامل ، لكنه افتقر أيضا الى عنصري التراكم والفعالية .

وقد اتسمت جميع الفعاليات الحوارية الجنوبية بثلاث خصائص مشتركة – مثلت في الوقت نفسه نقاط ضعفها البنيوية- وهي :
*الانعقاد الموسمي وغياب الاستدامة ، وكان المحفز الأساسي لتحرك النخب الجنوبية هو الاقتراب من موعد الاستحقاق السياسي ؛سواء المتعلق بالشراكة في السلطة او الاشتراك في حوار سياسي اشمل يتناول الازمة اليمنية . لذا فليس مصادفة ان تنطلق فعاليات الحوار في 2011 وتبلغ ذروتها اليوم بالتزامن مع الحراك الدولي لإيجاد حل في اليمن.
*اكتفاء النخب المتحاورة بالتوافق حول الشعارات الكبرى ، وتحول اللقاءات المتكررة في الداخل والخارج الى منصة للمزايدة الثورية ، مع بقاء الخلافات السياسية –واحيانا الشخصية- على حالها.
*بقاء الحوار عند طابعه السياسي النخبوي ، دون استيعاب الفعاليات الاجتماعية الصاعدة او مناقشة العديد من القضايا المستجدة داخل الاجتماع الجنوبي .

واليوم يتحتم على المجلس الانتقالي الجنوبي تجاوز نقاط الضعف السابقة في حال ارادت قيادته إنجاح دعوتها المتكررة للحوار ، ويمكن العمل على تحقيق ذلك من خلال الاتي :
*المأسسة والاستدامة : وقد كان قرار المجلس الانتقالي موفقا في انشاء لجنة خاصة لمهام الحوار الجنوبي ضمت شخصيات معتدلة ذات قدرات حوارية عالية ، لكن انشطة هذه اللجنة لا يجب ان تقتصر على موعد التحركات الأممية لبدء مفاوضات سياسية شاملة . كما ان على المجلس الانتقالي ان يتخلى عن رغبة التوحيد الشامل والتمثيل الحصري ، وان يتبنى صيغة تحالفية واسعة.

*الانتقال من الشعاراتية الى البرامجية ، ولا يكفي للقوى السياسية المتحاورة ان تتفق على مطلب استقلال الجنوب او تنشغل بمناقشة البنود المستقبلية لدستور الدولة . بل يجب عليها التحاور للخروج ببرنامج عمل تشاركي يتسم بالمرحلية والواقعية ، ويتناول ثلاث مواضيع اساسية:
1- توحيد الموقف التفاوضي العام للقوى الممثلة عن القضية الجنوبية في أي حوار اممي قادم . وكما هو معرف فان الظروف السياسية المحلية والدولية تجعل من المتعذر عمليا طرح مطلب الاستقلال الفوري ، لذا يجب التوافق على الخيار المرحلي الامثل لشكل الدولة الاتحادية اليمنية والذي يحفظ للجنوب وحدته و يضمن حقه في تقرير المصير. وأيضا توحيد التصورات الجنوبية عن الطريقة المثلى لترتيبات المرحلة الانتقالية وكيفية تعزيز جهود السلام.
2- ترتيب إجراءات توافقية لادارة الشأن العام في المناطق التي يهيمن فيها المجلس الانتقالي ، وتعزيز إجراءات الحوكمة المالية والإدارية والعسكرية . و بناء مقاربة موحدة عن كيفية إدارة الصراع مع الخصوم المشتركين ، و عن كيفية إدارة الشراكة السياسية داخل السلطة الشرعية .
3- ترتيب الملعب السياسي الجنوبي بما يتيح لكافة القوى والفصائل الوطنية العمل بشكل (تنافسي /تعاوني) في عدن والمكلا بعيدا عن الصدامات الأمنية والسياسية.

*تقسيم تحركات الحوار الى ثلاث مراحل متعاقبة، تستهدف كل مرحلة بناء توافقات برامجية مع فئة سياسية بعينها :
1- المرحلة الأولى : الفواعل المطالبة باستقلال الجنوب ، وهو ما يتم الاشتغال عليه بشكل اولي في القاهرة.
2- المرحلة الثانية : الفواعل المطالبة باستقلالية الجنوب تحت اطار الدولة اليمنية الاتحادية ، والوصول الى هذه النقطة يقتضي إنجاح اتفاق الرياض وفتح قنوات تواصل اشمل مع كافة مكونات الشرعية.
3-المرحلة الثالثة: الفواعل الاجتماعية الفئوية ، والتي تريد المزيد من الشراكة في السلطة والثروة دون ان يكون لها موقف مبدأي من الوحدة او الاستقلال.

في المحصلة يمكن القول ان إنجاح أي حوار يتطلب تحويله من مجرد دعوة ظرفية الى قيمة أخلاقية والى اليات عمل فاعلة يمكن للمجتمع ان يلجئ اليها بدلا عن العنف ، وهذا الامر ينضوي على مسار طويل وتراكمي لا يقل وعورة عن مسار الثورة السلمية او الكفاح المسلح . ولعله من غير المناسب رفع سقف التوقعات السياسية لمخرجات حوار القاهرة لان ذلك يصعب كثيرا من مهامه ، والانسب تقديم خطاب نقدي مسؤول يحاول البناء على هذه الخطوة ويساعد في رسم خارطة طريق تسهل على المعنيين استكمال بقية الخطوات.