ادبــاء وكُتــاب


15 أغسطس, 2021 11:01:11 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس النقيب - ارشيف الكاتب


يفاجئُنا ـ نحن المواطنين الجنوبيين البسطاءـ بعض قادة الجنوب السابقين كل يوم يمزيد من الخيبات والصدمات المزعزعة للصورة النمطية التي كان المواطن الجنوبي يحملها لبعضهم كقيادات سياسية وازنة ومحنكة وماهرة في علم الإدارة والتحلي بالأمانة والموضوعية أو على الأقل بحنكة التبرير لبعض الشطحات والأخطاء التي كانوا جزءا منها بل وصانعين فاعلين لها.
حينما يقوم أحدهم بتدوين مذكراته أو عرض تجربته السياسية أو إجراء مقابلة صحفية أو متلفزة من تلك التي تستغرق عشرات الحلقات فيقدم التاريخ الجنوبي على إنه مجموعة من العيوب والجنايات والخطايا التي جرت على غفلة من التاريخ ويصور شعب الجتوب على إنه كان عبارة عن مجموعة من المغفلين يسيرون وراء أولائك القادة الذين صنعوا ما تعرض له ، مما يصفه أعداء التجربة الجنوبية بالجرائم، ويتحدث وكأنه كان عائشا في جزر الهاواي أو كأنه كان باحثا في أحد معاهد الانثروبولوجيا الأمريكية أو الأوروبية، وليس عنصرا فاعلا في كل هذا التاريخ بصوابياته وأخطائه فإن الأسئلة التي يثيرها مثل هذا الموقف تكون أكثر وأكبر مما يعتقد أنه يقدمه من الأجوبة.
ذات مرةٍ كنا نتحدث مع عدد من الزملاء الأكاديميين عن مقابلة مخيبة لأحد هؤلاء القادة مع إحدى القنوات التلفيزيونية، كان رأيي أن بعض الساسة يدخل استوديو اللقاء التلفيزيوني أو الصحفي كما يدخل الطالب الضعيف قاعة الامتحان مراهنا على صدفة أن تكون الأسئلة سهلة فيجتاز الامتحان، بينما المطلوب من أي سياسي أن يكون قد أعد رسالته السياسية التي يريد إيصالها للمشاهد بغض النظر عن الأسئلة التي سيواجهها بل إن عليه تسخير تلك الأسئلة لهذا الغرض وليس مجرد الرد على السؤال كيفما أتفق.
لم يكن تاريخ تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ملائكياً بكل تأكيد فمن أداروا هذا التاريخ هم من البشر الخطائين وليسوا أنبياء أو ملائكة، لكن تحويل هذا التاريخ إلى مادة للتشهير بتجربة فيها من الإشراق والتقدمية والإنسانية والنهوض التعليمي والطبي والخدمي ما شهد به الخصوم قبل الأصدقا، واختصار هذا التاريخ على بعض الأخطاء وتضخيم بعضها واستهداف رموز تاريخية كانت لها مكانتها في هذه التجربة، والتغاضي عن الجوانب المتميزة فيها، كل هذا لا يمكن تصوره إلا على إنه عملٌ غير نزيه تكمن وراءه أهداف يصعب تفسيرها إلا كمحاولة للتزلف لأعداء هذه التجربة لأغراض لا يمكن فهمها أيضاً.
وأسوأ ما في الأمر أن يكون صاحب هذا التدوين أحد الفاعلين التاريخيين وربما على رأس هؤلاء الفاعلين في التاريخ الذي يدينه ويشيطنه ويتهم زملاءه السابقين فيه بشتى الاتهامات ويبرئ نفسه من أية مساهمة في أحداثه، وفي هذه الحالة فإن السؤال البديهي الذي يطرحه أي مواطن بسيط هو: أين كنتم حينما جرى كل ما تتحدثون عنه وتصورونه على إنه شناعات وفضاعات، ولماذا قبلتم على أنفسكم أن تتفرجوا على كل هذا وأنتم في موقع يسمح لكم برفضه أو التنحي عن موقع صناعة القرار الذي تدينونه اليوم وبعد عقود من نسيانه وظهور التحديات الجديدة التي ينبغي أن تدعوا الناس للاستعداد لها بدلا من تحريض أتباع هذا ضد أتباع ذاك والاستمرار على مواصلة الخيبات المرة؟
تدوين التاريخ ليس عملية اعتباطية يخضعها المدون لرغبته أو لمصالحة السياسية التي يعتقد أنه قد يحققها من خلال ما يقدمه من صور مشوهة وأحداث مجتزأة من سياقها، بل إنه أمانة علمية وأخلاقية يجب أن تتسم بالدقة والموضوعية لتنال احترام القراء، بعيداً عن اللهث وراء إعجابات رواد مواقع التواصل الاجتماعي أو استرضاء مراكز القوى التي ما أطعمت جائعاً ولا أنصفت مظلوما ولا ردعت ظالما، وحتى وجهات النظر حول هذا الحدث أو ذاك يجب أن تنطلق من تلك الحقائق وخلفياتها التاريخية الموضوعية والذاتية وليس من خلال تطويع تلك الحقائق لمحاولة التنصل من تحمل المسؤولية عما فيها من أخطاء وانحرافات.
يتداول الفلاحون في بعض الأرياف مثلا يقول "إذا سقط الثور كثرت السكاكين" لكن المؤلم أن يكون صاحب الثور أحد الذين يشهرون سكاكينهم في وجه ثوره المهزوم بدلا من حمايته من سكاكين الأعداء.
"ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُوْن"