ادبــاء وكُتــاب


21 أكتوبر, 2020 02:26:34 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس النقيب - ارشيف الكاتب


عندما تقرأ الهراءات والهذيانات والشتائم والمقذوفات اللفظية والتعبيرات الجوفاء الصادرة من أناس لا علاقة لهم بالسياسة ولغتها ولا بالثقافة وميادينها، ولا بالفكر وتعقيداته، تتفهم ما معنى أن يقتحم فضاء الكتابة أفراد ممن لا مؤهل لهم إلا امتلاكهم لابتوب أو هاتف ذكي، وهؤلاء منتشرون كانتشار الفطريات بعد المطر، وهم للأسف من يصنعون جزءً كبيراً من الوعي المشوه والثقافة المسطحة والمواقف الخرقاء، التي تفتقر إلى العمق والعلم والبعد الفكري (كي لا أقول الفلسفي) الذي يكره هؤلاء إعماله فيميلون إلى ثقافة التسطيح والتزويغ والتهييج والترويج.
لكن الصدمة العنيفة تحصل عند ما تقرأ مثل هذا الكلام بأقلام أشخاص كانوا محسوبين على شريحة المثقفين وبعضهم تبوأ مواقع وزارية واستشارية عليا فإذا بهم يقولون كلاما لا منطقيا ولا متماسكا ولا علميا، ولا حتى ينم عن رغبة في ربط النتائج بالأسباب بل يكتفي بتوجيه الاتهامات لمن لا يحبهم فيحملهم نتائج فشل السياسات التي كان ذات يوم جزءً من صناعها ومن المدافعين عنها.
لسنا بصدد الرد على الحملة الإعلامية الممنهجة التي يشنها (المتثاقفون اليمنيون) على دول التحالف العربي، فلدى دولتي السعودية والإمارات الشقيقتين من يدافع عنهما، لكننا نتحدث عن ربط قضية الجنوب بمعضلة هؤلاء مع أنفسهم ومع قياداتهم ومع مغتصبي ديارهم.
أحد هؤلاء كتب متهما دول التحالف العربي أنها طردت الحكومة الشرعية والوزراء الشرعيين والمحافظين الشرعيين من الجنوب، ولم يقل أن الحوثي هو من طرد هؤلاء جميعاً من صنعاء بعد أن حاصرهم أسابيع وهيمن على الدولة والأرض والإنسان.
لن أستعرض التعقيدات والأسباب التي جعلت خاطفي الشرعية يستعذبون البقاء خارج عدن وخارج اليمن حيث الحياة المرفهة والكرم الحاتمي من قبل الأشقاء، بعد أن استلموا عدن وكل محافظات الجنوب محررة كاملة على أيدي أبناء المقاومة الجنوبية، ولا عن الملابسات التي صنعت المواجهات بين الشعب الجنوبي وبعض من اعتقدوا أنهم الشرعيون الوحيدون على الأرض، فذلك حديث يطول ويتشعب ويتصل بنزاع تاريخي يمتد إلى 7/7/1994م، حينما جرى اجتياح الجنوب وتدمير دولته وتحويله إلى ملحق بغنائم المنتصرين في صنعاء.
لكنني أشير هنا إلى أنه ليس من الصعب على أمثال هذا المتثاقف أن يفهم أن قضية الجنوب أعمق وأكبر من خلاف مع محافظ منبوذ أو انتفاضة ضد وزير فاشل أو رفض لمدير فاسد، فهو يعلم ما هو أعقد من هذا لكن مشكلة "مثقفي" ما بعد 7/7 أنهم لا يعترفون بالشعب الجنوبي وحقه في اختيار من يقوده وتحديد طريق مستقبله بلا تبعية ولا وصاية ولا استئذان من مغتصبي أرضه وناهبي خيراته وقاتلي أبنائه، فهو (أي الشعب الجنوبي) ما إن يتمسك بحقه أو يطالب بما نهبه منه هؤلاء حتى يتهم بالعمالة لدولة أخرى، أو كأن الدول الشقيقة هي من حرضت الشعب الجنوبي على التمسك بحقوقه، رغم أنه انطلق للتعبير عنها وضحى بالآلاف من أبنائه من أجلها قبل أن يتدخل الأشقاء لنصرة الشعبين في الشمال والجنوب على السواء.
أخونا المتثاقف لا يرى سقطرى شرعية إلا من خلال بن محروس، ولا يقبل بشبوة كأرض وإنسان إلا عبر بن عديو وقس على ذلك بقية محافظات الجنوب، لكنه لا يكلف نفسه عناء السؤال عمن هو الشرعي الذي يحكم صنعاء وتعز وإب وعمران وحجة وريمة وغيرها من مناطق الشمال، فهذه المناطق ليست في دائرة اهتماماته كـ"مثقف"
* * *
أحد شعراء اليمن الكبار كان قد قال في حديث ودي عن أحد وزراء ثقافة اليمن، أن أكبر مادة يقرأها هذا الوزير هي صحيفة الثورة، ولم أصدق هذا القول إلا عندما رجعت إلى كتابات هذا الوزير، فلم أجد فيها قولا لأي حكيم لا من العصور القديمة ولا الوسيطة ولا الحديثة ولا حديث لشاعر أو فيلسوف أو حتى مثقف عربي أو فقيه أو حتى آية قرانية أو حديث شريف، فهو يأخذ القلم ويسخن مشاعره ثم يذهب للبحث عن (نصع) ليرجمه بمقذوفاته اللفظية، فتيقنت عندها صدقية ما قاله شاعرنا الكبير عليه رحمة الله.