ادبــاء وكُتــاب


23 مارس, 2020 12:38:28 ص

كُتب بواسطة : د. باسم منصور - ارشيف الكاتب


هذا المصيرُ، أكانَ طولَ سلامةٍ ** أمْ لم يكن إلا قليلَ بقاءِ ** واستبكِ هذي الناسَ دمعًا أو دمًا ** فاليومُ يومُ مدامعٍ ودماءِ ** قسماتُ وجهكِ في الترابِ ذخائرٌ ** من عفَّةٍ، وتكرُّمٍ، وحياءِ ** المرضعاتُ سكبنَ في وجدانِهِ ** حُبَّ الديارِ، وبغضةِ الأعداءِ ** وقَرَنَ في أذنيه يوم فِطامِهِ: ** أنَّ الدماءَ مهورةُ العلياءِ…!

تتفاعل خواطر الألم في أعماق الذاكرة بل تصلُ لخصامٍ أحسُّ بوقعه في لحظة تحسس ضياء الحرف الذي ينتظم مع أخيه ليشكل عالم مواجدي؛ فلا أحسُّ إلَّا برجع أصداء الذات المنكسرة على سطح ذاكرة المواجع، ووجع الذاكرة التي أحاولُ جاهدًا إقناع مغاليقها بضديَّة الواقع وحتمية الرحيل الذي يشكَّل عربة التحول لعالم الخلود…، كيف لي أن أنتزع ما أحسُّ من قاع الذاكرة وفقا لقرابة شعورية أراها تجتاحني فتصرعني... لهول الفاجعة؟؟

لا شكَّ بأن الحزن في وطننا الجريح بات العنون الأبرز الذي يتصدَّرُ كل الكتابات بمختلف الوسائل... ولعلَّ الرحيل المفاجئ لأحبة يكون أشدَّ أنواع العذاب وأقساها....
يزدحم واقعنا بأشكال من الفواجع... لكن الموت -خاصةً- كما وصفه ربنا (مصيبة)... وللمصائب حسراتٌ وحسراتْ في لحظة توديع لا فراق وفي لحظة انتظارِ لقاء...!

ففي حضرة توديع أخي وصديقي ورفيق كل المراحل العمريَّة ابن العم العقيد: أحمد سعيد محمد فريد المسهري الحوشبي... مدير أمن مديرية المسيمير... ماذا عساني أن أقول ولم أزل في حالة اللا تصديق واللا استيعاب لهول الصدمة التي فاجأتنا بها ظهيرة جمعة العشرين من مارس...!

تربطني بالعقيد أحمد أبي محمد مواقف ومواقف لم يزل صداها ولم تزل معانيها ماثلة...نشأنا سويًّا وكان الإخلاص والمحبة والإخاء عنوانَ نشأتنا صغارًا ثم شبابًا في معترك السياسة على خطِّ مقارعة الظلم بالفطرة ثم التنظيم...
كان وفيًّا للجنوب وقضيته لا تجد ساحة إلا وظلاله تكسوها سلميًّا... ثم كان فاعل مرفوع لا تعتريه نواصب ولا جوازم في فعل المقاومة!!
حملَ سلاحه مع أبيه وإخوته لردع التعدي واجتياح الجنوب في 2015م...قاوم ويقاوم في جبال ووديان وشعاب بلاد الحواشب وغيرها من البلدان... لم يتوارَ فقيدنا أو يلتقط فرص تضحيات الآخرين (الشرفاء) أو يهرب من ميادين المقاومة. ظلَّ وفيًّا منافحًا عن أرضه الطيبة المسيمير والجنوب...يحسُّ بعمق الانتماء إليها ونبضاتها تتدفق شرايينه... فلم يبرحها مهاجرًا للبحث عن عار الأبد وموائد اللئام.. فهو لا يعشق كيمرات الزور ولا تكسُّب لعرق ودماء الآخرين... بل شهدتْ له قيادة أمن المحافظة وهو ينافح في الأحداث الأخيرة في خندق وموقع واحد...!

برزتْ علامات القيادة في فقيد الوطن مبكرًا فكان لديه القدرة على خلق علاقات قوية ومتينة على كل المستويات وفي مختلف المحافظات...ثم شجاعة الرأي فلا يهاب، مقاوم صلب لا تلين له قناة...!
رحل أبو محمد بعد أن سطَّرَ تاريخًا من فعل التضحيات في السياسة والبندقية...فضلًا عن تحمُّله إدارة أمن مديرية المسيمير في ظلِّ اللا دولة وفوضى عارمة... كان يتحرك لمعالجة قضايا الناس على (دراجة نارية) ويلاحق المطلوبين عليها في ظلِّ أشباه تصول وتجول ولا يربطها بفعل القضية الجنوبية والمقاومة رابط حقيقي يمتد منذ صيف 1994م... عدا التقاط اللحظة الأخيرة لصنيع المقاومين... فضلًا عن متاعب عاناها وقاسها فقيدنا.. في بلد يعيشُ حالة عداء مع النجاح فكانت التقارير تكال كيلًا سرًّا وجهرًا... وكان الفقيد على تواصل مستمر بمدى المعاناة من مسترخيي الهمم، ومجهولين التاريخ، وخاملي الذكر، ومنقطعي الذمام، الذين لا يتحركون إلا في أماكن العار، والفيد،...! مع ذاك كانت قيادة أمن المحافظة متفهمة وصرفوا له طقم يتحرك به بعد رحلة العناء...!

الفقيد - كما أسلفنا - كان من أوائل المعارضة لواقع احتلال الجنوب ومن أوائل من أُسِروا وتمَّ ترحيلهم لأسر المحافظة...
في ظل سطوة وأسطورية عفاش قال: لا... ولم يداهن قارع ثم قارع وعند الانطلاقة للحراك الجنوبي السلمي كان من قياداته ويقود مواكبه ويحشد الجماهير لم يتخلَّف عن مناسبة أو مليونية من أقاصي حضرموت حتى الضالع مرورًا ببلاد الصبيحة بلد التضحيات بزهد شديد...!

كان طموحه الشديد ونباهته وجرأته وشجاعته مثار تخوُّف لدى كثيرين من ملاحق الثورة الجنوبية والمتعلقين مؤخرًا بقطار ثورة الجنوب فشوُّهوا معالمها، وأساؤا لنبالة فكرتها، وجثموا بكلاكلهم المشبوهة على مستقبل شعب، وعكسوا صورة سيئة عن شكل الوطن المنتظر... لكنه برغم كل ما سبق ثبت بإرادة فولاذية...منتصرًا للموقف.. ووافته المنية شامخًا...!

كم كان ال 20 من مارس من العام 2020 أليمًا بأحداثه فالمشاهد للحظات توديع فقيد الوطن كان يدرك مدى الفاجعة.. كان موكبًا غير مسبوق تداعت له محبين الفقيد من كل صوبٍ وحدبٍ!
وانهالتْ برقيات التعازي على كل المستويات الشعبية، والرسمية، والثورية، وجاوز موكبه ومشيعيه الوصف...وهذه ثمرة لتاريخ حافل بالعطاء والمواقف...!

وكم هي لحظات الفراق قاسية ومؤلمة جدًّا ونحن نشهد من أخلص لقريته، ومديريته، ووطنه بتفاني وبذل الغالي والنفيس في سبيل عزتها... فها هي تذرف الدمع السخين... لفراقك اليوم...!

لكنَّ...!

فعل الموت يعدُّ تلك النهاية الحتميَّة التي حارتْ فيها الأفهام، وذلك الختام الجدلي الذي يضع فاصلًا بين حياتين، وتحولًا نحو مسارِ الحياةِ الثالثة الأبديَّة؛ تلك الحيوات المقدَّرة على الإنسانيَّة تعجُّ بمواقفٍ لم تكن إلِّا نتاج مخزون من الأعمال في الحياة الأولى على ظهر الأرض، تمهيدًا للتحول تحت الأرض، والتهيئة ليوم العرض...!

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ ** أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ ** قد يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا عنه ** فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا ** تَجري على رِسْلِها الدُنيا ويتبَعُها ** رأيٌ بتعليلِ مَجراها ومُعتقَد ** أعيى الفلاسفةَ الأحرارَ جهلُهمُ ** ماذا يخِّبي لهمْ في دَفَّتيهِ غدُ ** طالَ التَمحْلُ واعتاصتْ حُلولُهم ** ولا تزالُ على ما كانتِ العُقَد ......**...... لم يحلُ لي مغدىً ومُنْتَقَلٌ لما نُعيتَ، ولا شخصٌ، ولا بَلَد ** أينَ المَفَرُّ وما فيها يُطاردُني ** والذِكرياتُ، طرُّيا عُودُها، جُدُد ** ألِظلالُ التي كانتْ تُفَيِّئُنا ** أمِ الِهضابُ أم الماء الذي نَرِدُ...!

كلُّ العزاءِ والمواساةِ لذويك ومحبيك ولنا جميعًا، وفي صدارتهم:
والدك الحبيب العقيد المقاوم: سعيد محمد فريد الحوشبي....وأمك العزيزة نسأل الله أن يعصم قلوبهم بالصبر.
وإخوتك الأحبة: ياسين، وخليل، وفكري، وعبد الكريم.

بهذا المصاب الجلل، عصمَ اللهُ القلوبَ بالصبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حولة ولا قوة إلا بالله....ونسأل الله لك الرحمة والمغفرة وأن يسكنك فسيح جناته.. !