ادبــاء وكُتــاب


26 يناير, 2018 04:49:31 ص

كُتب بواسطة : ماجد الشعيبي - ارشيف الكاتب



"ما سلب منا بالقوة في صيف 1994 استعدناه بالقوة في حرب 2015 ، وما سلبه منا نظام صنعاء بالسياسة لا سبيل لاستعادته إلا بالسياسة" ؛ تلك كانت مقاربة اللواء عيدروس الزبيدي التي طرحها في الذكرى ال53 لثورة أكتوبر المجيدة . يومها كان الزبيدي يشغل منصبه الحكومي كمحافظ لعدن ، ويبدو أن خطابه العقلاني ومضامينه السياسية قد عززت مخاوف منافسيه وسرعت مواعيد إقالته ، و غيرت نظرة الشرعية التي أعتبرته مجرد مقاتل ميليشياوي يسهل احتواءه سلطوياً وهضمه عسكريا .


قرارات الشرعية كانت دافعاً قويا للزبيدي ورفاقه لإشهار المجلس الانتقالي بموجب تفويض شعبي منحته قاعدة جماهير عريضة رأت أن تلك القرارات أقصت برعونه قياداتها السياسية  ، واستهدفت بشكل أدق حياة المواطنين بعد ما تحقق لها من استتباب أمني في وقت وجيز تكلل أخيراً بتطهير العاصمة من التنظيمات الإرهابية و ضبط حالة الفوضى التي انتشرت عقب تحرير المدينة..



أمن العاصمة  ومستقبل القضية  مثلا أهم محفز شعبي لخروج الناس إلى الشارع تنديداً بقررات هادي ، ولعلها الأسباب عينها التي  دفعت الزبيدي والمقاومة الجنوبية قبل أيام إلى عقد اجتماع استثنائي ضم أغلب قيادات المقاومة من عموم محافظات الجنوب. و خرج بالعديد من النقاط الهامة أبرزها إمهال الرئيس هادي أسبوعاً واحدا للإطاحة بحكومة بن دغر ، وأيضاً منع إقامة جلسة البرلمان اليمني التي كان من المزمع انعقادها الشهر القادم بحسب تصريحات بن دغر ، وكذلك إعلان حالة الطوارئ تحسبا لأية خطوات استفزازية قد تقدم عليها حكومة بن دغر ، ما قد يتهدد مستقبل الجنوب السياسي بحسب كلمة الزبيدي الأخيرة .


لم يكن جديداً أن تستثير سياسات الحكومة الموسومة بالفساد غضب الكتلة السياسية لعيدروس الزبيدي ، لكن لجوء الرجل الأقوى في الجنوب إلى ارتداء بزته العسكرية واستعراض عضلته المسلحة كي يوجه من خلالها أهم خطاب تصعيدي له يحمل كثيراً من الرسائل الجادة .. 


ظهور رجل الإجماع المحلي جنوبا بتلك الهيئة المستنفرة يحمل دلالات عسكرية أكثر منها سياسية، بعد أن شعر أن استعادة ما خسره الجنوب سياسياً بعد صيف 1994م  لم يعد متاحا بأدوات ولغة السياسة ، في ظل سلطة شرعية لا تؤمن بقواعد اللعبة والشراكة ولا تعترف بواقع القوة التي فرضتها الحرب الأخيرة وكانت أحد أهم تجلياتها صعود الزبيدي وشلال للواجهة لما يحملانه من حيثية سياسية وشعبية وثورية إلى جوار عدد من القيادات العسكرية والسياسية الحراكية.


مهلة الزبيدي دخلت يومها السادس ،و لم تبد الشرعية حتى الآن أية نوايا صريحة  للاستجابة لشروط الانتقالي المطروحة ، فيما تشهد الأوساط الإعلامي حرباً شرسة بين الطرفين والموالين لهم .


الشرعية حاولت أن تواجه التصعيد الحراكي بآخر مشابه من حيث الشكل لكنه ركيك من حيث المضمون ، بعد ما أعلن من مواقف مضادة لقرارات الزبيدي من قبل قادة المقاومة في عدن المحسوبين على هادي وعددهم 57، والذين أصدروا بيانا رسميا يعلنون فيه موقفهم الرافض لأية خطوات تسعى لطرد حكومة بن دغر من عدن معتبرة هذه الخطوة انقلابا على سلطة هادي ، فيما اكتفى أنصار الانتقالي بنشر بيانات تنفي مشاركة  عدد من الأسماء التي قيل أنها وقعت على بيان مقاومة هادي .


بالمنطق السياسي فإن خطأ عيدروس الزبيدي مثل بتحديد مدة زمنية لتنفيذ مطالبه ، وهو ما يمنح هادي هدية مجانية بغية إحراج الحراك أمام حاضنته ، ويجبر عيدروس على اتخاذ تكتيكات تصعيدية قد لا تتناسب مع حساسية الموقف .


وبذات المنطق فإن ما تبقى من بيان الزبيدي يمثل نقلة نوعية في الوعي السياسي الحراكي لما يحمله من مقاربة واقعية استطاع الزبيدي من خلالها رسم قواعد اشتباك جديدة وفق ما تمليه حقائق الأرض والميدان ، وهو ما تبدو الشرعية معرضة تماماً عن تقبله بما يعزز من حالة الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي ، ويدفع المتنافسين إلى بدائل النار عوضاً عن الحوار..


بميزان القوة العسكرية فإن الزبيدي ومعه المقاومة هم الأثقل في مختلف المحافظات المحررة ، غير أن مفاعيل خيار المواجهة المسلحة على الشق السياسي والمجتمعي ستكون كارثية و ستتهدد كل الانتصارات السابقة وتضعف جميع الأطراف ،  وتنذر بمستقبل لا يحمل أي أفق خلاق ، مع اقتراب الطرفين من استنساخ تجربة الاقتتال الأهلي التي عانى منها الجنوب مراراً.


عملياً تبدو خيارات التصعيد الشعبي الأكثر ملاءمة للمجلس الانتقالي والمقاومة الجنوبية  ، خصوصاً مع دخول منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية على الخط ، وهي خطوات إيجابية يجب أن تكثف خلال الساعات والأيام القادمة ، لمنع أية خطوات عسكرية ،قد تنعكس بالسلب على مختلف نواحي الحياة في المحافظات المحررة .


أما في غرف السياسة والتحالف فلا يبدو ما طرحه المجلس الانتقالي من خيارات محل نقاش جاد خصوصاً من الطرف السعودي الذي يستضيف هادي وحكومته بشكل دائم في عاصمة المملكة ، غير أن الدعم الاماراتي الذي يُحظى به الانتقالي سيشكل نوعا من الضغط الجاد الذي قد ينجح في إيجاد مقاربة سياسية يرتضيها الطرفان ، خشية أن تنزلق الأمور نحو التصعيد العسكري ، الذي قد يتأثر الجانب الاماراتي منه سلباً .


*رئيس تحرير موقع البعد الرابع