ادبــاء وكُتــاب


19 يناير, 2019 08:09:37 م

كُتب بواسطة : د. علي صالح الخلاقي - ارشيف الكاتب


استقبلت مؤخرا في مطار عدن الدولي قريباً لي، قادماً من الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ لحظة وصوله المطار رأيت علامات الغرابة والاستغراب على وجه، وأخذ يتلفت محدقاً يمنة ويسرة في الجهات الأربع من حوله، ويتفرَّس بشكل خاص في وجوه رجال أمن المطار وهم في كبائنهم ينجزون تأشيرات جوازات الواصلين أمثاله، وكأنه يبحث عن شخص ما بعينه أو شيء مجهول يدور في خلده، لكنني لم أعرف كُنْهه، ولم أرغب أن أساله مباشرة عن مصدر حيرته واستغرابه. وحتى بعد أن خرجنا من صالة العفش رأيته كذلك ونحن خارج المطار نقطع الطريق في السيارة يتأمل فيما حوله ويرسل نظراته هنا وهناك في مختلف الأرجاء، مدققاً النظر بشكل خاص في وجوه الجنود في النقاط التي مررنا عليها، وكذا أثناء مرورنا في الدوَّار أمام بوابة معسكر “بدر” وكأنه يبحث عن قريب له بين حراسة بوابة المعسكر، وهكذا الحال في بقية النقاط في طريقنا إلى المنصورة، فأثار بذلك فضولي واستغرابي. وعند الوصول إلى البيت وبعد أخذ قسطٍ من الراحة، باشرته بالسؤال عن سر ما كان يبحث عنه في نظراته المحدقة، وما الذي أثار اهتمامه. قال لي بكل صراحة: أنني أبحث منذ لحظة وصولي مطار عدن عن مظاهر الاحتلال الإماراتي لكثرة ما سمعت وقرأت في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي مما يروّج له كثيرون، حتى ظننت أنني سأصطدم بجنود (الاحتلال الإمارتي) في كل نقطة وفي كل ركن وزاوية في المطار منذ لحظة الوصول، ثم في النقاط القائمة التي صادفناها أثناء مرورنا، وعلى أبواب المعسكرات..الخ. لكنني لم أرَ حتى جندياً أماراتياً واحداً، بل رأيت (احتلال) الإمارات وقادتها يسيطر بقوة على لوحات الإعلانات التي تزين الشوارع أو المدارس وتقول (شكراً إمارات الخير). بل أن كل الجنود الذين رأيتهم من أبنائنا الذين نفخر بهم وهم يستقبلوننا بالابتسامات، ويسهرون على راحتنا وأمننا، وهذا هو سبب تعجبي واستغرابي!!. قلت له: دعنا في البدء نتعرف على معنى الاحتلال اصطلاحاً، وهو استيلاء دولة على بلاد دولةٍ أُخرى أو جزءٍ منها قَهْرًا خلال فترة غزوٍ أو حرب، أو بعد انتهاء تلك الحرب، والاحتلال شكل من أشكال الاستعمار وتكون السلطة الفعلية في البلاد المحتلة لقواته الاستعمارية..فهل هذا التوصيف ينطبق على الأشقاء الأماراتيين، وهل اجتاحوا بلادنا قهراً كتلك القوات التي اجتاحتها صيف 94م، وهل شردوا قادتنا وقواتنا المحلية ونشروا بدلها عنها قواتهم(الاستعمارية) في عدن؟!.. أم أنهم جاؤا لنجدتنا عام 2015م حينما تعرضنا لغزو الحوثيين وقوات عفاش؟!!. للأسف الشديد أن كثيرين- مثلك- يقعون ضحية التضليل الذي تبثه وسائل إعلاميه معادية، غاضها ويغيضها موقف الإمارات العربية الداعم لشعبنا منذ اللحظة الأولى للاجتياح الحوثي-العفاشي للجنوب، ونحن نعرف أن دعم الأشقاء في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية والدور المحوري والهام للإمارات العربية المتحدة من أهم العوامل الرئيسية لإحراز النصر الذي حققه شعبنا ومقاومته الجنوبية في دحر الغزاة، من عدن والجنوب، وامتزجت في صنعه دماء العشرات من الشهداء الإماراتيين مع دماء شهدائنا الأبرار، ثم ما تلى ذلك من دعم سخي ومتواصل لم ينقطع مدده حتى الآن في كافة مناحي الحياة، لكن معظمه ، للأسف الشديد، يضيع في طاحونة فساد مؤسسات الحكومة الشرعية التي تلتهم كل شيء ولسان حالها يقول:”هل من مزيد”!!. ولعل أبرز ما قامت به الإمارات الشقيقة هو إعداد وتدريب الوحدات العسكرية والأمنية الجنوبية المتمثلة بالحزام الأمني والنخبة الحضرمية والنخبة الشبوانية، ووحدات الأمن العام، وهذه القوات هي من شباب المقاومة الجنوبية وغيرهم من أبناء الجنوب ممن أبلوا بلاءً حسناً في معارك دحر وطرد الغزاة الحوثيين من العاصمة عدن وبقية مناطق الجنوب، أو في طرد تنظيم القاعدة من حضرموت بعد أن سيطر عليها لأكثر من سنة، وكذا مطاردة الجماعات الإرهابية في بقية المحافظات، وآخرها ما حدث في شبوة وأبين، وهم من يعوّل عليهم شعبنا في تحقيق الأمن والأمان..فهل يعقل أن تقوم الإمارات بإعداد وتأهيل وتدريب وتسليح هذه القوات لكي تحتل بلادنا بيد أبنائنا من جنود وضباط وقادة في كل الوحدات الأمنية والعسكرية ؟!!!. أليس من واجبنا أن نقدر هذا الموقف الداعم والمساند من قبل الأشقاء في الأمارات، في بناء قواتنا العسكرية والأمنية، التي قضى عليها عفاش وقوى النفوذ الزيدية من خلال تدميرهم للجيش الجنوبي بعد حرب 94م وإقصاء قياداته وضباطه وأفراده وإحالتهم قسرياً إلى التقاعد وحرمانهم من كل حقوقهم، حتى أنهم لشدة ما لحقهم من ظلم كانوا نواة الثورة السلمية الجنوبية عام 2007م. ولا شك أن من يرى اليوم الجنود والضباط الذين تم ويتم إعدادهم وتخرجهم تباعاً من خيرة شبابنا المؤهل والمدرب من مختلف المحافظات الجنوبية، يشعر بالفخر والاعتزاز، خاصة حينما يصادفهم في النقاط الأمنية بابتساماتهم وتعاملهم الحسن، وسرعان ما يقارن ذلك بما كان عليه حالنا بالأمس جراء بطش واضطهاد جنود عفاش وصلفهم وتصرفاتهم التي تعد حقا تصرفات جنود احتلال، وقد كان المفكر الدكتور أبوبكر السقاف محقاً حينما وصفهم بأسوأ اشكال الاستعمار بنتائجه المدمرة لهوية شعبنا ونهب ثروات بلدنا. وشتان بين يمد لك يد المساعدة لتنهض من كبوتك وتستعيد هويتك واستقلالك وبين من ينهبك وينتقص من حريتك أو يستعبدك. اقتنع قريبي..ولم يدعني أكمل الحديث عن بقية مظاهر (الاحتلال الإمارتي) والدور المتميز للإمارات عبر ذراعها الإنساني، الهلال الأحمر الإماراتي، في جوانب الإغاثة الإنسانية وفي دعم الكهرباء والصحة والمياة والتربية والتعليم…الخ. وقاطعني قائلا: اقتنعت الآن إن من يتحدث عن احتلال إماراتي لبلادنا، من أبناء جلدتنا، إنما يلتقي في ذلك مع ما يقوله الحوثيون، وأعداء الإمارات، الذين لقيوا شر هزيمة في عدن والجنوب من قبل أبطال المقاومة الجنوبية وبدعم وإسناد كبيرين من التحالف العربي وبشكل خاص من الإمارات العربية المتحدة، ولا يمكن إلا لجاحد أن يتنكَّر لكل ما قدمه ويقدمه لنا الأشقاء، وحاشا الله أن نكون ممن ينكر الجميل، وقدوتنا ومعلمنا نبينا الكريم يقول: ” جُبِلَت الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا”.