ادبــاء وكُتــاب


30 أكتوبر, 2018 11:25:26 ص

كُتب بواسطة : آمين اليافعي - ارشيف الكاتب


كتب الصديق فارع المسلمي يوم أمس مقالاً في صحيفة السفير اللبنانية يتساءل فيه عن ما الذي يعنيه تعيين رئيس وزراء جديد لحكومة "الشرعية اليمنية".
وفارع هو أشطر من يكتب التحليل السياسي على المستوى المحلي، ويُمكن تشبيه تحليله للأحداث والقضايا بـ"التحليل الشبكي"، إن جاز التعبير، إنه يُحيط بالقضية/الحدث من كل اتجاه، ليضعه في إطار آسر يَصعُب تحريرها منه.
وأبرز مثال على ذلك في هذا المقال هو تحليله لـ"القادم الجديد" إلى منصب رئاسة الوزراء، الدكتور معين عبدالملك، تحليل يبدو وكأنه مرر عليه جهاز مسح ذري من رأسه حتى أطراف أصابع قدميه، ثم اشتغل على تشريحه قطعة قطعة، ليُعيد تركيبه في نهاية المطاف، فأصبح معين عبدالملك لكل أولئك الذين لا يعرفونه، وأنا منهم، متجسداً بصورةٍ شبه مكتملة في الذهن، صورة أظن أنه من الصعب التحرر منها حتى لو قُدِّر للمرء التعرف فيما بعد على الشخص موضوع التحليل/التشكيل.
ومن أبرز ومضات المقال الدالة على براعة صناعة الإطار لـ"القادم الجديد" كانت هذه الفقرة شديدة الكثافة والأناقة: "هو اقتصاديا نيوليبرالي، وسلوكياً فهو من النوع الذي لا يقول "لا" لأحد أو لشيء، وهو لا يغضب لأحد أو من أحد ولا لشيء أو من شيء، ويمكن أن يتحدث لساعات دون أن يقول شيئاً، ليست له عداوات ولا شراكات استراتيجية، فلا هو قريب أو بعيد من أي أحد، ذلك أنه دوما قريب فقط من المكان الذي يقف فيه عادة في تلك اللحظة".
على العموم، المقال جميل، ومن الضروري قراءته بعناية، وأنا أتفق مع الغالبية العظمى من التفاصيل - القطع الصغيرة - التي اشتغل عليه بصورة بارعة في ثنايا المقال فصنع منها هذا التحليل الشبكي الذي لا يدع مجالا ً للمرء لتفكيكه، لكن من زاوية أخرى، لم يكن هذا المقال لمجرد التسلية، ولا لعرض مجموعة من "الخبابير" الصغيرة، بطريقة فاتنة، فبالتأكيد كانت هناك فكرة أراد الكاتب أن يُحاصرها بالتحليل من كل جانب، وهي فكرة لم يتم الإفصاح عنها مباشرة، كنوع من التزام جادة الموضوعية، لكن هذا النوع من التحليل الشبكي لا يتركك أمام خيارات كثيرة مفتوحة، فهو يُجبر كل المسالك حتى تؤدي بالقارئ إلى فكرته المحددة بعناية، رسالته الحصرية، غايته النهائية، وهنا في سدرة التحليل النهائية يكمن الاختلاف مع المقال.
بالعودة إلى الفقرة السابقة التي أبرز فيها شخصية عبدالملك بطريقة في منتهى البراعة، ولو استثنينا التوصيف الافتتاحي "اقتصاديا نيوليبرالي"، باعتبار أن التزام هذا الخيار يدل على وعيِّ مُسبقِ، فهل يُمكن أن نَجِد توصيفاً لأحمد عبيد بن دغر في حقبة ما قبل توليه رئاسة الوزراء، وحتى للرئيس هادي نفسه قبل أن يصبح رئيساً يُعادل هذا التوصيف من حيث دقته النافذة ( وسلوكياً فهو من النوع الذي لا يقول "لا" لأحد أو لشيء، وهو لا يغضب لأحد أو من أحد ولا لشيء أو من شيء، ويمكن أن يتحدث لساعات دون أن يقول شيئاً، ليست له عداوات ولا شراكات استراتيجية، فلا هو قريب أو بعيد من أي أحد، ذلك أنه دوما قريب فقط من المكان الذي يقف فيه عادة في تلك اللحظة).
لعل ذلك يقودنا إلى تساؤل إجباري على ضوء هذا التقاطعات الملفتة: ما الذي حدث حتى يتم تفعيل هادي وبن دغر بهذه الكيفية المتتابعة، فيصبح هادي غير هادي الذي عرفناه قبل عام 2012، وبن دغر غير بن دغر ما قبل العام 2016؟ بل إنه لو قارنا حالتي عبدربه وبن دغر قبل التفعيل بحالة معين الحالية من حيث الفاعلية، لوجدنا هنالك بوناً شاسعاً بين الحالتين، لصالح معين بالطبع.
الصديق فارع لم يتوقف لتحليل هذا التغيّر المفاجئ الذي غدا فيه بن دغر غير بن دغر بعد تفعيله سياسياً، واكتفى بالقول "عُزل بن دغر مؤخراً لمزاياه، فهو يفهم في السياسة في الوقت الذي عُين خليفته، عبد الملك، للا سياسيته". وفي موضع آخر يشرح فيه خلفية إقالته "بعد مواجهة سياسية مع الإمارات في أكثر من أزمة ساخنة في عدن وسقطرى، كسب بن دغر فئة كبيرة ومهمة من جمهور "الشرعية"
وبصراحة هذه الطريقة من التفعيل السياسية الموجهة بعناية فائقة صوب أهدافها تُثير الإعجاب لذكاءها، فقد تم تفعيله سياسياً لسل سيف السيادة الوطنية ضد الإمارات فقط؛ وبالطريقة التي يرضى عنها جمهور الشرعية، هذا كل ما فهمته عن مزايا بن دغر السياسية.
لكن ماذا عن موقفه من السعودية؟.. لا شيء يُذكر على الإطلاق في هذا الصدد!
وفي هذه النقطة من الجدل، يَصعُب علينا أن نتفادى الارتطام بهذا السؤال في محاولتنا المضنية لوضع خطوط واضحة بغية الفهم : ما الذي يفرق بين مواقف السعودية والإمارات فيما يتعلق بتهديد السيادة الوطنية والعبث بالبلد؟ لو دققت أكثر، لما وجدت أي فارق، هذا إذا استبعدنا أن الدولتين يقومان بتبادل أدوار. الفرق الوحيد بين مواقف الدولتين هو أن الإمارات تدعم مليشيات جنوبية – باستثناء قوات طارق عفاش، بينما تدعم السعودية عسكرياً ومالياً مليشيات الإصلاح الشرعية الوحدوية في مأرب (ولمأرب قصة أخرى بكل تأكيد، فقد زارها قبل عام وفد صحفي عالمي، ثم نٌشِرت على إثر هذه الزيارة الاستقصائية مقالات في أهم الصحف العالمية بدت فيها مأرب وكأنها واحدة من أكثر المدن أماناً وسرعة في النمو!). هذا الفارق الوحيد ربما لن نجد غيره في الصورة الظاهرة أمامنا كإجابة لتساؤلنا المشاغب عن السر وراء تفعيل بن دغر بهذه الصورة الحصرية وفي مثل هذا التوقيت بالذاب. فالدعم الذي تُقدّمه الإمارات لفصائل جنوبية، حتى وإن كانت من المصلحة الجنوبية المستقبلية كارثي بكل معنى الكلمة، لكنه من وجهة نظر قوى كثير داخلة في عمق الصراع على الهيمنة، وهو صراع يسحب معه القطاع الأوسع من النُخب، يبدو مرعباً للغاية.
وبالعودة إلى بن دغر، فالصديق فارع قام بتزودينا بمعلومة مهمة في معرض تفسيره لعدم قبول بن دغر بأن يكون نسخة مطابقة من المواصفات المطلوبة هادويا، وإن كان في بعض الأمر مبالغة، فقد حاول بن دغر تقديم كل ما يلزم ليكون هادويا كامل الاستقامة، وهذه المعلومة تتهم هادي "في اللجوء إلى ابتزازه بوسائل أخرى، تخص حياته الشخصية".
لا أشك بمعلومة الصديق فارع، وهو شخص لديه إطلاع واسع على خبايا الأمور، ثم إنه كباحث مرموق لن يجازف في تسريب معلومة خطيرة كهذه دون أن يكون متأكداً منها تماماً.
لكن السؤال، في هذا المنشور المليء بالأسئلة المشاغبة، الذي يبقى مطروحاً، وبقوة، وربما قد يكون له علاقة بطريقة تفعيل بن دغر بصورة شديدة الدقة وفي هذا التوقيت: هل ابتزاز بن دغر بأمور تتعلق بحياته الشخصية توقف عند هادي فقط؟